20 فبراير: التفكير من أجل التغيير


Tayeb Hamdi

حققت حركة 20 فبراير العديد من المكاسب للشعب المغربي، وفتحت الكثير من الآفاق أمامه. لكن على هذه الحركة اليوم، وبعد مرور أشهر على انطلاقتها، وبعد مرورها بعدة تجارب وتغير ظروف عدة من حولها، عليها أن تأخذ الوقت لتقييم تجربتها، من أجل تطوير عملها وأدائها وأفكارها. اليوم، سأتحدث من خلال عشر نقط عن الحركة وبالخصوص عن المنزلقات التي عليها تجنبها.

أولا، حركة 20 فبراير حققت مكاسب مهمة للشعب المغربي، ليس أقلها إبراز قدرة الشعب المغربي على التحرك والتفاعل مع محيطه والاستفادة من المتغيرات الجهوية والدولية، لتحقيق طموحه نحو مغرب الديمقراطية والحداثة. كما تم تحصيل إصلاحات دستورية مهمة، رغم أنها لم تحقق الدستور الديمقراطي المرجو، لكن الإصلاحات التي تم تحقيقها ليست بالهينة، ولم يكن من الممكن تحقيقها لولا هذا الربيع العربي وتفاعل الشعب المغربي معه من خلال حركة 20 فبراير.

ثانيا، حركة 20 فبراير أبرزت عمليا أنه ليست هناك أسطورة اسمها الاستثناء المغربي، التي كان يهدف المروجون لها إلى استثناء الشعب المغربي من موجة التغيير التي أطلقتها شعوب المنطقة، والتي نشترك معها تقريبا في نفس المشاكل، من حيث التنمية والديمقراطية والحرية والفساد...

ثالثا، حين أتحدث عن حركة 20 فبراير لا أعني بها فقط هؤلاء الشباب الذين يجتمعون في تنسيقيات بمختلف المدن المغربية. فهم يجسدون تنظيميا هذه الحركة، ومجهوداتهم محمودة، لكن حركة 20 فبراير هي أكبر من ذلك. هي حركة مجتمعية تضم كل الذين يؤمنون بأن الوقت قد حان للقطع مع كل المظاهر الماضوية، من فساد واستبداد وظلم وغياب عدالة اجتماعية، والقطع مع أخذ الشعب رهينة في يد نخب متهالكة. حركة 20 فبراير هي طموح ونضال المغاربة نحو مغرب جديد أسرعت به موجة التغيير التي تجتاح المنطقة برمتها.

رابعا، من هذا المنطلق، على شباب 20 فبراير الذين يجتمعون في التنسيقيات أن يستمعوا، بالإضافة إلى بعضهم البعض، إلى نبض الشارع المساند لهم، إلى الفئات الاجتماعية التي تتبنى حركتهم. إن خطر الانغلاق والتقوقع على الذات مميت بالنسبة لحركة 20 فبراير، مميت بالنسبة لهذا الشكل من التنسيقيات، ومعيق للحركة كحركة. فحتى وإن انفجرت تنسيقيات 20 فبراير أو استطاعت الدولة القضاء عليها مثلا، فذلك لا يعني أن تطلعات الشعب المغربي نحو الحرية والعدالة سيتم وأدها. النضال قد يتباطأ، لكنه سيتوهج من جديد، لأن هذه دينامية التاريخ ودينامية الشعوب.

خامسا، من الأخطاء التي على حركة 20 فبراير تجنب الوقوع فيها اعتبار أن مكونا أو اثنين هما العمود الفقري للحركة، وبالتالي توجيهها تنظيميا وسياسيا حسب توجهاتهما. حركة 20 فبراير ملك لكل المغاربة. وقوتها من التفاف المغاربة حولها، ومن كونها تعبر عن تطلعاتهم المشتركة. فبدون هذا الالتفاف، 20 فبراير لا تمثل شيئا غير نفسها. لذلك، على 20 فبراير أن تؤطر حركتها ببرنامج مطلبي ليكون قاعدة مشتركة بين المغاربة جميعا الذين يجدون أنفسهم فيها. على الحركة أن تكون وعاء يجد فيه كل الديمقراطيين وكل التواقين إلى الحرية وإلى مغرب جديد أنفسهم. وتنظيميا، على الحركة أن تقترح أشكالا نضالية تكون محل توافق ورضى هؤلاء الملتفين حولها جميعا.

سادسا، من حق أي مكون من مكونات 20 فبراير أن يكون سقف مطالبه أعلى من الباقي، فذلك برنامجه. لكن على الجميع التوافق على سقف مطالب يمثل كل مكونات حركة 20 فبراير. ومَنْ سقفه أقل من سقف جاره داخل الحركة فهو ليس بالضرورة لا عدوا ولا خصما ولا استسلاميا. الذين صوتوا ضد دستور فاتح يوليوز أو قاطعوه والذين صوتوا لصالحه ليسوا أعداء ولا خصوما حتى. الذين صوتوا بنعم ليسوا عملاء ولا انهزاميين ولا منبطحين. قد يكون بينهم مَنْ هو مِنْ هذه النوعية، لكن منهم الكثيرين الذين لا تقل طموحاتهم نحو مغرب جديد عن طموحات المقاطعين. هناك اختلاف في مقاربة القضايا. وهذا لا يفسد لحركة 20 فبراير قضية.

على الحركة أن تستوعب كل التواقين نحو مغرب جديد. فلا قيمة لـ20 فبراير إن لم تجمع في صفوفها: يساريين وليبراليين وإسلاميين وشبابا ونساء وشيوخا، مدنا كبرى وصغرى وقرى، أطباء ومحامين ومهندسين ورجال تعليم، مثقفين وفنانين وإعلاميين، طلبة وعاطلين، مهاجرين ومقاولين، سكان الأحياء الشعبية والمتوسطة والراقية... هؤلاء كلهم طبيعيا داخل 20 فبراير، فقط على هذه الأخيرة أن تعرف كيف تستوعبهم. وإن لم تستوعبهم فالخطأ خطأها.

سابعا، اليوم عرف المغرب إدخال إصلاحات دستورية، لم تَرْقَ إلى مستوى مطالب حركة 20 فبراير المطالبة بملكية برلمانية. لكن مع ذلك، تم إدخال إصلاحات مهمة قبلت بها الكثير من الأحزاب ورفضتها أخرى. هناك أحزاب اعتبرت هذا الدستور هو أرقى ما يمكن أن يصل إليه، ليس الشعب المغربي، ولكن الفكر البشري. وهذه أحزاب لا حديث لي عنها. وهناك أحزاب صوتت بنعم، واعتبرت أن هذا بداية الانتقال الديمقراطي، وأن هذا الدستور هو مجرد خطوة نحو الملكية البرلمانية. وهذه موضوعيا تلتقي مع مطالب حركة 20 فبراير من أجل ملكية برلمانية، ومكانها داخل حركة 20 فبراير وليس خارجها.

ثامنا، هناك عدة مطالب وقضايا أخرى من صلب مطالبي 20 فبراير. محاربة الفساد والمفسدين، الإصلاحات السياسية، حقوق الإنسان، حرية التعبير، العدالة الاجتماعية... هناك طابور من القضايا التي يجب إبرازها والتركيز عليها كذلك، كقاسم مشترك بين مكونات 20 فبراير المجتمعية. الملكية البرلمانية والإصلاحات الدستورية لا يجب أن تسقط من ملف حركة 20 فبراير، لكن يجب أخذ المتغيرات بعين الاعتبار حتى يستمر وهج الحركة وتزداد قاعدتها عوض أن يتم تقويضها. فالدولة لعبت ورقة الإصلاحات الدستورية، وعلى الحركة أن تجعل ذلك مكسبا وليس مَطَبّا تقع فيه كما هو مرسوم لها.

تاسعا، على الحركة أن تأخذ بعين الاعتبار موازين القوى داخليا وخارجبا، حتى لا تضيع من يدها الفرصة إن هي تباطأت، أو تضيع الحركة كلها إن هي تسرعت. على الحركة أن تعرف كيف تصمد، وكيف تبادر، وتعرف كيف تنحني لهبوب العواصف. عليها أن لا تغامر وأن لا تقامر. البطولة ليست بالقفز في الهواء، ولكن بالمثابرة ولو بخطى صغيرة، لكنها حثيثة، ونحو الاتجاه الصحيح. على مكونات الحركة أن لا تغامر بانتظارات وأحلام الشعب المغربي. عليها أن تؤطر هذه الطموحات في برنامج نضالي يتجاوب وطموحات كل هذه الفئات الاجتماعية التي تجد نفسها في حركة 20 فبراير، برنامج نضالي يستوعب المتغيرات الداخلية والخارجية، ويمتص الضربات الموجهة إليها. حين انطلقت الحركة كان معدل الثورات 20 يوما في تونس ومصر. اليوم نحن أمام دم وحروب وجيوش في ليبيا واليمن وسوريا. تلك أنظمة ساقطة بدون أدنى شك، وهو ما سيعجل بالتغيير في دول أخرى ويعيد للحركة بالمغرب سندها في التغيير الحقيقي السلمي والحضاري. في انتظار ذلك، على الحركة أن تعرف كيف تستنهض الهمم وتستجمع القوى الديمقراطية التواقة للتغيير. هناك قوى حية تخترق المجتمع بكل مكوناته مستعدة للتعبير عن نفسها كلما وجدت سندا وحليفا قويا وذا مصداقية مثل حركة 20 فبراير إن هي عرفت كيف تكون وعاء للجميع.

عاشرا، انطلقت 20 فبراير، وهي مبدعة وخلاقة في شعاراتها، في نضالاتها، في طرق تعبيرها. وعليها اليوم أن تستمر على النهج الذي انطلقت به وتطوره وتطور منظومة شعاراتها ومطالبها. عليها أن تأخذ الوقت للتفكير في الآتي من الأيام. عليها أن تدرك أن زادها هو سلمية حركتها، حضارية تحركاتها، سمو مطالبها، تعايش مكوناتها، التفاف المغاربة حولها، والطبقة الوسطى محركها.

إن على المجلس الوطني لدعم حركة 20 فبراير بكل مكوناته وكذا مختلف القوى الحية بالبلاد، من مثقفين ومفكرين وناشطين، أن يساعدوا الحركة في مسؤولية التفكير والتقييم واستشراف الآفاق، حتى تكون استراتيجيتها ناجعة في لمّ الأصوات وتجميع القوى. وهذه أولى مهام الحركة وشرط من شروط نجاحها.



الطيب حمضي

11 يوليوز 2011

! رجاء، لا تصدقوهم


كلما سمعت بعض الزعماء والمحللين، وهم يعلقون على الأوضاع بالمغرب، لا أستطيع منع ذاكرتي من استحضار رجل كان يملأ القنوات التلفزية العربية بمختلف مكروفوناتها. أعني رجلا اسمه، إن لم تخني الذاكرة، مجدي الدقاق. عضو بارز في الحزب الوطني الحاكم بمصر سابقا، عضو لجنة التثقيف بنفس الحزب. الحقيقة أن مهمته كانت هي البروباغاندا وتبييض وجه حزب مبارك. انه من الدين اضحى يصطلح عليهم المتخسسون على وزن المتخصصين ! كلما ارتكبت جرائم في حق شعب مصر، وما أكثرها، كانت القنوات التلفزية، كلما اتصلت بالحزب الحاكم لأخذ وجهة نظره في قضايا خلافية تشهدها الساحة المصرية، إلا ويطل السيد مجدي الدقاق على المشاهد العربي بنظرياته وتخريجاته. حسب الدقاق، مثلا، فمصر في عهد مبارك هي أقرب إلى بريطانيا منها إلى أي بلد آخر من حيث الممارسة الديمقراطية. ومن حيث التنمية، فمصر قريبة من الدول السكندنافية. ومن حيث حرية التعبير، فمصر تقريبا تحولت مع مبارك إلى هايدبارك المنطقة العربية... كل هذا الكلام كان يقدمه السيد الدقاق في قالب معتدل: صحيح هناك مشاكل بسيطة، لكن مبارك منكب على حلها. صحيح هناك تجاوزات، لكن ألا تعرف أمريكا نفسها الكثير من التجاوزات. هناك فساد؟ من ليس له دليل لا حق له في رمي الناس بالتهم الرخيصة. صحافيون في السجن؟ وهل الصحافيون فوق القانون؟ الرئيس مبارك مريض؟ فشر، صحتو زي البمب... مثل هذا الخطاب لـ"إفحام" الأصوات المعارضة على التلفزيونات لم ينطل على أحد غير مبارك وبطانته. هذا الكلام كان يريح نظام مبارك حتى وقعت الفاس في الراس. يومها، لم تنفع لا وعود ولا إصلاحات ولا حتى مجدي الدقاق الذي اختفى كما يختفي أي نصاب، بعد افتضاح أمره.

أمثال مجدي الدقاق كثيرون بمصر وتونس وليبيا والمغرب وقطر وسوريا، وغيرها من البلدان. لنترك مجدي الدقاق مختفيا بعض الوقت ونعود للمغرب.

يوم فاتح يوليوز، سيتم تنظيم الاستفتاء واعتماد دستور جديد بالبلاد وسيشرع العمل به. لكن، هل يعني ذلك نهاية مسلسل التجاذبات؟ هل يعني أننا تجاوزنا منطقة الزوابع التي تضرب المنطقة العربية؟ المتتبعون لمجريات السياسة ببلادنا يدركون أنه، بالنظر إلى سقف مطالب وانتظارات الشارع المغربي، وبالنظر إلى سقف مطالب المرحلة جهويا وعالميا، فإن الحراك السياسي سيستمر، بنفس الوهج وربما أكثر. والذين تتبعوا مواقف الناس واستمرارهم في المطالب والتعبئة يدركون أن الربيع العربي سيستمر مغربيا. والذين عايشوا، مثلا، مسيرة طنجة يوم الأحد 26 يونيو، بعشرات الآلاف المستمرة في المطالبة بالإصلاحات الدستورية لا يتوقعون بالتأكيد صيفا باردا ولا خريفا، بل ربيعا مستمرا.

الدولة، حتى الآن، تجاوبت مع مطالب الشارع بشكل جزئي من حيث التعديلات الدستورية، وستكون مطالبة باللحاق بركب عالم القرن الواحد والعشرين، عوض الشعور بالارتياح بالمقارنة مع القرن الماضي. ولازال الشارع كذلك ينتظر الإصلاحات السياسية ومحاربة الفساد وتخليق الحياة العامة والقطع مع الماضي بتفاصيله وفساده ووجوهه.

سيظهر أكثر من مجدي الدقاق بالمغرب ليقول إن المغرب اليوم، بهذا الدستور، وضع رجله مع الأمم العظيمة في الديمقراطية، وأن المغرب قطع مع الفساد، وأن المغرب واحة من الحرية وجنة من التنمية... لن يصدقهم أحد. لن يصدقهم الواقع، لأنه يعلو ولا يعلى عليه. لن تصدقهم أرقام البطالة، ولو زوروها، لأن البطالة إحساس بالمهانة وليست رقما يتم تزويره. لن يصدقهم المغاربة، لأننا نعيش هنا وليس في تكساس. لن يصدقهم العالم، لأن للعالم مؤشرات يعتمد عليها. لن يصدقهم البيت الأبيض، لأن الناطق باسمه سيقول غدا: نحن مع حرية التعبير والتجمهر. وهو ما سيقوله الإليزي كذلك.... كلما تعقدت الأمور هنا. فالخارج يهنئ ويبارك ليدفع عجلة الإصلاح إلى الأمام، حتى تصبح مكسبا، ثم ينزل بضغطه من جديد.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب بلدنا هو أن يسكن الماسكون بزمامه لراحة وهمية عند سماع خطاب الارتياح المغشوش. مثل هذا الخطاب قاد تونس ومصر وليبيا وسوريا إلى ما هي عليه.

رجاءً، أنصتوا إلى كلام الناس، إلى آلام الناس، إلى مطالب الناس، إلى نصائح الأصدقاء الحقيقيين، إلى صوت العقل، أنصتوا إلى خطاب الحقيقة.

رجاءً، لا تصدقوا كلام أشباه مجدي الدقاق. فالمعركة لازالت طويلة من أجل مغرب جديد. وحقيقة ما تحقق انتم تعرفونها، كما أن حقيقة شساعة وضخامة ما يجب أن يتحقق تعرفونها كذلك ...
الطيب حمضي 29 يونيو 2011



الدستور: بين خريف النخب وربيع الشباب

في سنة 1992، لما عرض ملك المغرب الراحل الحسن الثاني دستورا جديدا للاستفتاء، فتحت التلفزة المغربية في عهد إدريس البصري بعض برامجها المنتقاة لمناقشة مضامين التعديلات. طبعا، كان الحديث يومها عن ثورية التعديلات التي أتى بها الدستور وكيف أنها ستنقل المغرب إلى مصاف الدول الأكثر ديمقراطية من بريطانيا نفسها. (نفس الخطاب تم ترديده سنة 1996 بمناسبة التعديلات الدستورية).  

لنعد إلى صيف 92، يومها تابعت برنامجا حواريا شارك فيه أستاذ جامعي شاب في بداية مساره المهني الأكاديمي اسمه محمد معتصم، وبجانبه أستاذ القانون الدستوري اسمه القادري (ربما عبد القادر القادري). كان الشاب محمد معتصم متواضعا جدا أمام أستاذه، متواضعا من حيث اللياقة، لكن من حيث تحليل النص الدستوري وتفكيك آلياته، كان واضحا جدا أنه متفوق بكثير على أستاذه. وكنت قد قرأت مقالا للأستاذ محمد المعتصم حول الدستور في جريدة "الاتحاد الاشتراكي"، وهو عبارة عن دراسة جد قيمة، لأنها وضعت تحت مبضع التشريح النص الدستوري بكل ما يحيط به: التوقيت، المكان، الأشخاص، النصوص، الظروف... لما كنت أشاهد البرنامج من مدينة طنجة، قلت لأخي ولزوجته رحمها الله إن الدولة لن تترك هذا الأكاديمي بعيدا عنها، لأنها بالتأكيد ستحتاج إلى رجال من طينة الرجل، يعرفون كيف يفككون النصوص القانونية ويركبوها.لم تمر إلا شهور، حتى نودي على الرجل وزيرا مكلفا بالعلاقات مع البرلمان، ثم مكلفا بمهمة بالديوان الملكي، ثم بعد ذلك مستشارا. هذا الرجل هو الذي كلفه الملك اليوم، بصفته مستشاره، بالإشراف على الدستور الجديد، وهو الذي أشرف عليه من بدايته إلى أن يتم التصديق عليه، وبعدها القوانين التطبيقية.

لكن حين نقرأ مشروع الدستور لا نجده محكم الصياغة، بناء ولغة. هل هو تقصير من الرجل؟ هل فاتته هذه الملاحظات؟ لا أعتقد ذلك. ولكي أقول إني لا أعتقد ذلك ذكّرْتُ بمساره. لغته ليست قانونية صرفة، بل فيها حشو، وبعض النصوص مبهمة قانونيا، لأن النص الدستوري الحالي لم يخرج مثل السابق من جيب فرد أو جماعة كتبت النص وأعطته للملك الذي كان يضعه للتصويت أحب من أحب وكره من كره. السيد المعتصم اليوم - ولتسمح لي لجنة المانوني إن لم آت على ذكرها - كان عليه أن يقوم بعمل توفيقي، ليس بين مطالب الأحزاب والنقابات المختلفة، هذه لم تكن مشكلة، بدليل أن المشروع تجاوز كثيرا سقف غالبية هذه الهيآت، ولكن كان عليه أن يوفق بين الحد الأقصى الذي يمكن للدولة أن تقبل به من تنازلات والحد الأدنى الذي يمكن أن يمنع تطور الحركة الاحتجاجية بالمغرب، والحد المتوسط الذي تقبل به الدول الديمقراطية المتابعة للشأن المغربي.

خطاب 9 مارس وما تلاه لم يأت من فراغ، بل كان نتيجة ما يصدح به الشارع المغربي والشارع العربي. لقد فهم الملك أنه لا يمكن صم الأذن عما يقع حولنا، فبادر إلى التجاوب مع ما يقع من أجل احتوائه. لذلك، يمكن القول إن مشروع الدستور الحالي هو دستور ممنوح من طرف شباب 20 فبراير والربيع العربي. المقتضيات التي أتى بها الدستور الحالي مهمة جدا ومتطورة  مقارنته مع الدساتير السابقة، ولم يكن من الممكن أن نحلم أن نصلها قبل مرور عشر سنوات ولربما أكثر، لأن النخبة تهالكت ولم تعد تعتبر الإصلاحات الدستورية مهمة بالنسبة إليها. قليلون الذين كانوا يطالبون بالإصلاحات الدستورية، وكان يتم التعامل معهم وكأنهم شواذ سياسيا. لكن الربيع العربي وشباب 20 فبراير في ظرف أسابيع جعلوا الدولة تسارع خطاها لإدخال إصلاحات دستورية مهمة وعاجلة.

لكن هذا الدستور المتقدم بالنسبة لسابقيه، هو بعيد جدا عن السقف المطلوب في إطار الربيع العربي. مشروع الدستور الحالي لا زال بعيدا كل البعد عن الملكية البرلمانية حيث الملك رمز للسيادة وحكم فوق الفرقاء، وبعيدا عن استقلال القضاء وعن توازن السلط.

أهم ما في الربيع العربي هو أنه كسر منطق الديمقراطية بالجرعات، الذي كانت تستعمله الأنظمة الاستبدادية لإطالة عمرها، ديمقراطية بالجرعات وفساد بالجملة. الربيع العربي قال، خلافا للنخب السياسية الشائخة والمتهاونة، الديمقراطية هنا والآن، وكذلك كان. بينما الدستور الحالي هو استمرار لمنطق الديمقراطية بالجرعات. صحيح، جرعات أقوى من السابق، لكنها ليست قطيعة مع السابق.

شخصيا، لم أتوقع أن يشكل النص الدستوري قطيعة مع ما سبق، لأن السياسة ميزان قوى، وليس هناك من أحد يتبرع على أحد في العمل السياسي. قد يطبع الفرد مرحلته بطابع خاص. وهكذا طبع محمد السادس مرحلته بمدونة الأسرة، وحقوق المرأة، وإعطاء الجنسية للأبناء من أم مغربية (وهي قضية فلسفة وقيم أكثر منها قانونية)، أشياء طبعا لم يكن للملك الراحل مثلا أن يقبل بها. ومع ذلك، ففي مضمار الاختصاصات ودور الملكية، فإن الدولة لها منطقها، وهو منطق ميزان القوى. والحركة المطلبية من شباب 20 فبراير وغيرهم لهم كذلك منطقهم، وهو منطق ميزان القوى. لذلك، يمكن القول إن الإصلاحات الدستورية الحالية أجّلت بعض الشيء تصاعد الحركة الاحتجاجية والمطلبية بالمغرب، ولكنها لن تحتويها للأبد. فالشباب العربي والعالم لم يعد يقبل بأقل من الديمقراطية هنا والآن... وهو ما لا يؤسس له كلية مشروع الدستور المعروض للتصويت. هذا المشروع ليس كارثة وطنية، ولكنه ليس كذلك دستورا مثاليا ولا حتى قريبا منه. هو أكبر بكثير من سقف مطالب أغلب الأحزاب المغربية ونخبها وأقل بكثير من سقف الربيع العربي. لذلك، يمكن اعتبار التصويت على الدستور محطة في الحراك الاجتماعي والسياسي المغربي ستتلوها محطات أخرى.

ملاحظة أخيرة: بقدر ما في المقتضيات من تقدم ولو نسبي، بقدر ما في الممارسات المصاحبة تراجع ونكوص: تجييش الناس من طرف السلطات، أعمال البلطجة، العزف على وتر الإجماع، تغييب الأصوات الرافضة... هذه الطرق الفجة تقززني وتخيفني من المستقبل. هذا دستور طرحه الملك للتصويت، لماذا تعتقد السلطات أن من واجبها القيام يما تقوم به؟ أليست هذه هي البنية السلطوية التي تجرنا إلى الماضي؟ هل نثق في تقدم المقتضيات والنصوص أم في تحجر الممارسة؟ ادا كانت الغيطة والطبل ووالبلطجة الممارسة بالتحكم عن قرب وعن بعد من طرف السلطات للتدليل على اجماع الشعب المغربي قاطبة على قبول الدستور ومباركته، ما الحاجة ادن لمواطن مثلي أو غيري أن يقول كلمته في الدستور؟ ما الحاجة لافتتاح مكاتب التصويت؟
الطيب حمضي 22 يونيو 20011

حركة 20 فبراير و المخزن الإعلامي

20  فبراير و المخزن الإعلامي

منذ أسبوعين وبعض الوسائل الإعلامية المكتوبة والإلكترونية وأخيرا المرئية، تطنب في الحديث عن محاولة جماعة العدل والإحسان "السطو" على حركة 20 فبراير والانقضاض على ملفها المطلبي، وتسخيرها لحركة 20 فبراير لخدمة أغراضها الخاصة.

هذا الحديث يتكرر في كل مناسبة يتم الحديث فيها عن حركة 20 فبراير، وفي أي مسيرة أو احتجاج يتم تنظيمه. هذه الحملة الإعلامية صاحبتها حملة أخرى من طرف وزارة الداخلية مركزيا وعلى مستوى الأقاليم، من خلال العمال ورجال السلطة، حيث عملوا بكل الوسائل على إثارة الحديث مباشرة مع الأحزاب والنقابات المساندة لحركة 20 فبراير بضرورة تجنب هده الجماعة. حملة انخرطت فيها منذ البداية وكالة المغرب العربي للأنباء.

هذا "الحرص" الأمني والإعلامي ليس بالتأكيد حبا وحماية لحركة 20 فبراير ولا حتى كرها لجماعة العدل والإحسان فقط، بل هو محاولة لتقويض هذه الحركة المجتمعية المتصاعدة المطالبة بالتغيير والمصرة عليه.

لنتحدث، أولا، عن خلفيات انخراط ما تمت تسميته بالمخزن الإعلامي في ترديد هذه الأسطوانة المشروخة عن محاولة الإسلاميين السطو على حركة الشباب وأن الحركات التي يقوم بها الشباب ما هي إلا مظاهرات وتجمعات يقف وراءها الإسلاميون.

الهدف الأول هو مخاطبة الخارج والغرب خصوصا. والهدف الثاني هو الداخل. بالنسبة للخارج، يحاولون أن يقولوا للغرب إن الشعب المغربي لا علاقة له بهذه المظاهرات وهذه المسيرات، وان المغاربة راضون عن أوضاعهم، وان الحراك القوي الدي تعرفه البلاد تبدو في الظاهر جماهيرية ولكن هي في حقيقتها استعراض للقوة لجماعة إسلامية متطرفة وغير مرخص لها، اسمها اليوم العدل والإحسان وغدا سيتحدثون عن السلفية الجهادية لينتهي بهم المطاف عند القاعدة . وهكذا، يخف اهتمام وسائل الإعلام الغربية وكذا مصالحها الدبلوماسية بهذه المسيرات الشعبية. بل حتى إذا تدخلت قوات الأمن لقمع المتظاهرين، "تفهمت" الأوساط الغربية ضرورة حماية البلاد من السقوط في أياد متطرفة وحماية المسيرة الديمقراطية من الخطر الإسلاموي؛ أي ببساطة استعمال الفزاعة الإسلامية.

بالنسبة للداخل الهدف مزدوج. من جهة، محاولة خلق مشاكل بين حركة 20 فبراير والهيئات المساندة لها من جهة والجماعات الإسلامية ومنها العدل والإحسان من جهة أخرى، ومحاولة الضغط على الأخيرة نفسها لتقليص مساهمتها وحضورها في الفعاليات والمظاهرات المنظمة إلى أدنى حد.

وفي الحالتين الهدف واحد.

فالعقل الأمني للدولة يدرك أهمية حضور ومشاركة ودعم جماعة مثل العدل والإحسان لمطالب التغيير. يدرك أن مثل هده الجماعات لها انتشارعبر التراب الوطني، منظمة، متدربة، منضبطة للقرارات المركزية لقيادتها. وبالتالي، فإن دعمها لحركة 20 فبراير يتم ترجمته فعليا.

طبعا، هناك حركات سياسية أخرى داعمة لمعركة التغيير ومساهمتها فعالة وقوية وناجحة، لكن العقل الأمني يهاب تنظيم ولوجستيك وانضباط وإصرار جماعة مثل العدل والإحسان.

الأحزاب والهيآت والفعاليات تختلف كثيرا مع مشروع وشعارات الجماعات لاسلامية. لكن حركة 20 فبراير ليست حزبا أو جماعة سياسية، بل هي حركة لها أرضية وأهداف ووسائل محددة. كل من يتفق مع هذه الأرضية وأهدافها، ويوافق كذلك على وسائل العمل المتفق عليها، فمكانه داخل حركة 20 فبراير. وليس هناك أي سبب ليكون خارجها.

هذه الحملات الإعلامية مآلها الفشل، لأن المعركة ببساطة هي معركة شعب من اجل التغيير والديمقراطية.

هذه الفزاعة استعملها بن علي ومبارك والقذافي. وكلنا يعرف إلى أين أدت.

جماعة العدل والإحسان غير معترف بها. ولماذا لا يتم الاعتراف بها ؟ هذه السكيزوفرينيا يجب وقفها والتخلص منها.

في المقابل، على جماعة العدل والإحسان أن تتواصل أكثر مع الرأي العام، وتوضح مدى التزامها بقيم المجتمع الديمقراطي، بل عليها أن تطور من منظومة أفكارها لتنخرط كليا في مجتمع الغد الذي تبنيه الشعوب اليوم.عليها أن تتواصل لإزاحة مناطق العتمة عن مواقفها، ليس إزاء حركة 20 فبراير، بل إزاء المجتمع الذي تناضل من أجل إرسائه حركة 20 فبراير.

الطيب حمضي

22 مارس 2011

Maroc : Exception ou pas exception ? Les fausses questions.

Maroc : Exception ou pas exception ? Les fausses questions.


Le Maroc fera t-il exception à cette vague de colère et de luttes pour la démocratie dans le monde arabe ?

C’est une question qui ne cesse de revenir depuis la révolution spectaculaire des tunisiens et le renversement du régime dictatorial et policier de Ben Ali. Question aggravée encore par la chute du régime de Moubarak d’Égypte, le déclenchement de la colère, des manifestations ou des révoltes en Libye, au Yémen , au Bahreïn, en Jordanie, en Irak, à Oman, en Algérie, au Maroc … C’est une question qui n’est pas purement marocaine, mais qui transverse toute l’élite du monde arabe

Le Maroc est il d abord une exception dans le monde arabe de par son profil, sa situation?

Les questions peuvent paraître théoriquement pertinentes, mais relèvent en fait, sur le plan politique, plus de la polémique que du débat.

Que se passe t il dans le monde arabe ? Des régimes de dictature ou de despotisme en place depuis des décennies, corrompus, impopulaires, qui ont conduit leurs peuples aux situations les plus misérables de la planète malgré les richesses de la région. Des chefs d'états ayant hérité le pouvoir, ou s’en ont accaparé après des coups d’état, se sont entourés de cercles de mafieux, qui ont spolié les richesses de leurs pays. Ont bafoué la volonté et la souveraineté des peuples soit en gouvernant directement sans la moindre structure représentative, soit en falsifiant celles-ci quand elles existent. Ont opprimé toute voix contestatrice. Ont envoyé les opposants aux geôles. Mis la main sur les pays et les peuples. Ont décidé de passer la main à leur progéniture pour gouverner. Ont permis à leurs familles et proches de s’enrichir aux détriments des populations qui s’appauvrissent de plus en plus.

C’est grosso modo le profil du monde arabe avec bien sur des nuances et différences de grade dans cette sombre couleur du tableau.

Quand on soulève une éventuelle exception marocaine, cherchons nous à comprendre réellement ce qui se passe pour apporter les solutions adéquates, ou juste dissiper les inquiétudes et calmer les esprits ?

Face à ce qui se passe, on a dans le monde arabe, plusieurs réflexions qui vont d’un extrême à l’autre. Selon les différentes visions, les différentes situations, et surtout les intérêts de chacun, on fera face à des opinions qui vont de la pleine conviction que leur pays est le plus beau du monde, le plus parfait de la planète et qui estiment que cette révolte dans la région ne les concernent nullement et ne les interpellent en rien, aux opinions complètement à l’opposé qui ont la pleine conviction que rien ne changera si les régimes ne sont pas déchus une fois pour toutes. Au milieu de ces extrêmes, il y a ceux qui pensent qu’il y a des problèmes plus ou moins profonds de démocratie, de developpement, d’injustice sociale, de corruption, d’incapacité du système de gouvernance à évoluer vers l’avenir. Ceux là pensent que le contexte actuel est favorable à un appel aux changements profonds, soit en concertation avec les régimes en place ou en imposant ces changements du moment que ces régimes n’évolueraient jamais d’eux-mêmes, et qu’au maximum ces régimes chercheraient à contourner la vague pour préserver le statu quo. Or, contourner ces attentes, ces réclamations, ces révoltes est devenu quasi impossible. On n’est plus en face d’une révolte menée par une fraction politique, un parti ou quelconque groupe, mais face à une demande émanant de base qui réclame une nouvelle définition de l’identité politique, sociale et psychologique même : être citoyen digne. C’est une révolte pour des valeurs que rien et personne ne pourrait arrêter.

Après douze ans de règne de Mohammed 6, les espoirs nés après son intronisation et le processus lui-même de démocratisation et de modernisation se sont essoufflés. Les institutions politiques ne recueillent aucun respect de la population et ne reflètent nullement leurs attentes. Les élections n’intéressent personne ou presque. La liberté de la presse en régression avec de nouvelles méthodes sophistiquées utilisées pour asphyxier la presse et les journalistes. Le champ médiatique est super verrouillé. Les champs économiques, des affaires, politiques, sont verrouillés. Le cercle du pouvoir contrôle tout et tout le monde. Il apporte, par simple réflexion, ce qu’il croit être les meilleures réponses aux questions et défis aux quels le Maroc fait face.

Le premier ministre et les ministres sont au meilleur des cas de simples hauts fonctionnaires et pas des décideurs.

Croire que le makhzen va évoluer de lui-même en phase avec l’histoire est une grande illusion. Les institutions, les structures évoluent en permanentes négociations de forces, de conflits, d’intérêts … Le pouvoir est une institution en perpétuelle concurrence avec d’autres institutions, d’autres modèles de gouvernance, et obéit dans son évolution aux lois de l’histoire et de l’équilibre des forces.

Le Maroc peut, à mon sens, faire exception au sort qui attend les autres régimes de la région. Une certaine base de la pratique politique est acquise, la faire évoluer vers une vraie démocratie nécessite des démarches courageuses, mais possibles, inévitables même. Une monarchie constitutionnelle parlementaire où le roi règne sans gouverner, des structures de contre pouvoir, un assainissement du champs économique et des affaires, élections libres, ouverture du pole audio visuel, des marocains citoyens et non des sujets, abolition des pratiques makhzaniennes humiliantes.

La réclamation de la monarchie parlementaire n’est elle pas déplacée dans le contexte marocain ?

Les marocains qui réclament la monarchie parlementaire sont les plus monarchistes, sont des démocrates monarchistes. Dans tout système démocratique un décideur doit émaner d’un suffrage, ses décisions sont évaluables, critiquables, contestables, et doit rendre des comptes. Or une monarchie est une continuité, héréditaire, symbole de toute une nation. La seule formule pour marier la monarchie à la démocratie est la monarchie constitutionnelle parlementaire. C’est le cas de l’évolution de l’histoire des monarchies dans le monde. Ceux qui, parmi les nôtres, cherchent à se cacher derrière des prétextes pour créer une « théorie » selon laquelle soit que la monarchie parlementaire ne nous convient pas, soit que la monarchie exécutive où le roi détient tous les pouvoirs, est non seulement plus démocratique, mais en sus, convient le mieux à notre peuple, ceux-ci défendent en fait un immobilisme qui ne cesse de leur être rentable politiquement et économiquement depuis des décennies déjà.

Les marocains veulent être traités comme des citoyens et non des sujets. Est-ce beaucoup demander de réclamer de jouir d’un statut de citoyen ? Est ce trop aller si les marocains ont mis 55 ans de réclamations pour être considérés comme citoyens ? Combien de décennies ou de siècles encore faut il patienter avant de réclamer ce statut ?

Tous les milieux qui ont réfléchi sur la vague qui renverse les régimes arabes sous un ongle national sont parvenus à un conclusion évidente : pas moyens de renverser Ben Ali, et après pas moyen de renverser Moubarak, pas moyen de renverser Kadhafi, pas moyen de renverser les autres … c’est l’erreur qu’ont commis les proches de Ben Ali, de Moubarak, de Kadhafi et que commettent encore les autres. Si on pense pays par pays, chacun trouvera ses spécificités, ses particularités, ses exceptions, chacun pensera services de renseignements, position des militaires, compétences policières, faiblesses de l’opposition, marge de manœuvres, de corrompre ses adversaires, de contourner leurs doléances. Toutes ces démarches n’ont rien servi à Ben Ali, ni à Moubarak, ni à Kadhafi et ne serviront en rien aux autres sur la file d’attente.

C’est un cycle de l’histoire. Apres les pays de l’est qui gravaient autour de l’ex Union Soviétique qui ont chuté l’un après l’autre, et la chute des dictatures de l’Amérique Latine , il a été grand temps pour que le monde arabe connaisse le même sort . Dans la réalité de ce monde arabe il y a une force motrice, propulsive : c’est l’aspiration des peuples vers une vie digne qui leur a été volée depuis des décennies. Cette force ne peut être anéantie, arrêtée ou bloquée par des mesures répressives ou de contournement des doléances des peuples. Ceux-ci n’accepteront plus jamais une vie sans démocratie, sans dignité, sans partage juste de leurs richesses.

Est il nécessaire de participer à des manifestations juste pour imiter les tunisiens ou les égyptiens ou les libyens ? Autrement faut il réclamer le changement ici et maintenant juste par copier/coller de Tunis ou du Caire ?

Tayeb Hamdi

La vraie question : est ce que, ici et maintenant nous n’avons pas besoin de changements ? Est ce que le changement au Maroc a été déjà opéré ou s’opère toujours avec une cadence acceptable ? La transition démocratique, qui normalement devrait mettre le pays sur les rails du changement, de la modernisation et de la démocratie, est en panne depuis des années, et ce par le constat de tout le monde. Le pouvoir a fini par verrouiller le jeu. D’autre part, dans toute pratique politique il y a les donnes internes et celles externes, il y a le contexte géopolitique, le cadre géostratégique. De tous les temps la politique a été ainsi, et encore plus au temps de la mondialisation, de la révolution de la communication. Ce qui se passe ailleurs influe sur l’équilibre des forces ici et inversement.

Est il nécessaire de participer à des manifestations juste pour imiter les égyptiens alors que la corruption chez eux est catastrophique ?

Il me semble aussi inadéquat d’invoquer la gravité de la corruption en Égypte pour parler d’une certaine exception marocaine. C’est vrai qu’on savait beaucoup du degré du pourrissement du système en Égypte. Cela ne préjuge en rien de la situation chez nous ou dans les autres pays arabes. La comparaison elle-même me semble biaisée : alors que la liberté d’expression en Égypte- malgré ses limites- avait permis d’aborder ce sujet publiquement depuis des années, jusqu’à présent dans les autres pays , le Maroc inclus, le sujet est tabou.

Est-ce que nos peuples sont vraiment mûrs pour jouir de la démocratie ?

En politique toutes les questions sont permises même celles racistes qui sous entendent que des peuples sont moins humains que les autres.

Ces questions ne se posent plus ailleurs, depuis l’abolition de l’esclavage. Les peuples font l’apprentissage de la démocratie dans la démocratie, et non sous les dictatures et les régimes totalitaires, despotiques ou " demi-cratiques ". Sous ces derniers les peuples sont contraints, par la force de la pratique, à s’identifier à leurs gouvernants. Les leaders politiques, syndicaux, associatifs et autres sont le reflet du pouvoir. Ils sont eux aussi, éternels, sont nécessaires, ont l’expérience que personne d’autres n’en a, sont irremplaçables, sont là pour l’intérêt suprême de leurs organismes, les gens les supplient en larmes si jamais ils déclarent que peut être ils ne vont pas se porter candidat pour la nième fois !

La démocratie s’apprend dans la démocratie. Quatre, cinq, six décennies après leurs indépendances, les peuples arabes ne méritent pas encore la démocratie ?! Ne serait que pour ça, un changement s’impose, la situation ne devrait plus perdurer : des régimes qui sont là depuis un demi siècle n’ont même pas « permis » à leurs peuples d’être en situation de « mériter la démocratie » !! Quelle honte pour ces régimes !!

La vraie question est : nos régimes, au début du vingtième siècle, ne sont ils pas anachroniques ? N’appartiennent t ils pas à un autre temps ? Ne sont ils pas en déphasage avec l’humanité ? N’est il pas temps de mettre à l’heure nos systèmes politiques ? Du moins pour les régimes encore « réglables », les autres il faudrait changer d’horloge.
Tayeb Hamdi
3 mars 2011

مَصْر بْخِير

عدد 4_10 فبراير 2011 من اسبوعية "الحياة الجديدة"


د.الطيب حمضي

لما خرج شباب مصر يوم الثلاثاء 25 يناير الماضي للتظاهر كان له مطلب واحد: الشعب يريد إسقاط النظام. لم يعد الناس يطالبون بالشغل والحرية والكرامة والديمقراطية والانتخابات والإصلاحات الدستورية ومحاربة الفساد، لقد وصلوا عبر عقود من المعانات والصبر لخلاصة مفادها أن هذا النظام لم ولا ولن يقبل الإصلاح ولا الديمقراطية ولا الحرية ولا النزاهة. فكثيرة هي القوى والأصوات التي طالبت وناضلت وضحت من أجل إصلاح النظام وإحداث التغيرات، دون جدوى.

منذ أن حكم مبارك مصر وهو يتفنن وحاشيته في تزوير الانتخابات، وتزوير المؤسسات، وتفصيل الدستور على مقاسه، يسمح له بالحكم مدى الحياة ويضمن له غياب أي منافسة، ويطلق يده لعائلته وحاشيته لسرقة ثروات مصر وشعب مصر ولأجل ذلك، تفنن النظام المصري في إيجاد الفدلكات والإصلاحات التي يعتقد أنها تنطلي على الناس.

فهو يجري انتخابات دون أن تكون شفافة ولا ديمقراطية. ينظم انتخابات رئاسية دون أن يسمح لأحد بمنافسة الرئيس الدائم. يتحدث عن محاربة الفساد، بينما يطلق يد عائلته ويد معاونيه في خيرات مصر يسرقونها بينما الشعب يجوع.

ولما اطمأن مبارك لإحكام سيطرته على مصر، أصبح يفكر بل يخطط وينفذ لتوريث الحكم لابنه جمال مبارك. لم يعد النظام المصري يطيق أي نقد لمبارك، وهكذا أرسل الصحافيين للسجون. كان مسموحا للصحافة أن تنتقد الأحزاب والوزراء، لكن ليس انتقاد مبارك وعائلته.

ما الفائدة من انتقاد وزراء لا مسؤولية حقيقية لهم، بينما مركز القرار ومصدره هو مبارك وبطانته؟

قبل أسابيع أجريت انتخابات تشريعية عرفت مشاركة ضعيفة ومقاطعة كبيرة. وتفنن النظام في "تنظيف" البرلمان من أي معارضة.

وقد كان النظام يستعين في ذلك بواسطة الحزب الحاكم الذي استولى على كل إمكانيات الدولة وسخرها لخدمة الحزب. فمن كان خارج الحزب فهو خارج الدولة. واستعان كذلك بجهاز الشرطة الذي عاث فسادا في مصر من قهر وقمع وتنكيل بالمواطنين وتقتيلهم. استعان بالبلطجية الذي يسخرهم النظام ضد المعارضين، بل اعتدوا حتى على القضاة الدين كانوا يراقبون الانتخابات قبل ان يمنعهم مبارك من دلك..

هذا هو المناخ العام الذي خرج فيه شباب مصر من الفيسبوك إلى الشارع.

فهل يطالبون بالشغل؟ بالديموقراطية؟ بالكرامة؟ بمحاربة الفساد؟ خرجوا ليطالبوا بكل هذا وبغيره، لكنهم يدركون أن هذا النظام لن يحقق شيئا من هذا. لذلك طالبوا أولا بإسقاط النظام. لو كان النظام يتجاوب، ولو جزئيا، مع مطالب الناس، لطالبوه بالحرية والإصلاحات الدستورية والشغل. لكنه نظام مستبد ومتخلف وفاسد ومتكبر، ولا سبيل لتحقيق هذه الإصلاحات إلا بعد تغيير النظام نفسه من خلال إسقاطه.

أكتب هذا المقال اليوم، الثلاثاء فاتح فبراير، وسيكون بين أيدي القراء الأعزاء يوم الجمعة. قبل أن يصلهم المقال غالبا ما سيكون حسني مبارك في خبر كان لأن هذه إرادة الشعب المصري.

من المستحيل أن يبقى نظام عربي واحد مستبد، ظالم وفاسد جاثما على صدر شعبه. هناك رؤوس أينعت وتم قطعها (بن علي بتونس ومبارك بمصر). وأخرى قريبا جدا (اليمن) ثم بعدها (السودان، والأردن وسوريا) إن لم تتدارك حالها باستعجال، أما الباقي فأمامه فرصة الإصلاح أو الإسقاط.

تونس و شعب تونس فتحا باب الأمل أمام الشعوب العربية. أما مصر وشعب مصر فقد فتحا هذا الباب على مصراعيه. شباب مصر يخلِّصون مصر، اليوم، من براثين الاستبداد والظلم والتخلف، ويعيدون لمصر كرامتها وهيبتها وريادتها للعالم العربي.

مادام هذا الشباب المصري هب بهذا الشكل دفاعا عن كرامة مصر فإن مصر بخير.

الطيب حمضي 3 فبراير 2011



محمد البرادعي لهزم أسطورة مبارك

منذ عودة محمد البرادعي إلى مصر وانتشار خبر اعتزام ترشحه للرئاسة بمصر والأجهزة الإعلامية المصرية الرسمية تكيل له الانتقادات والتهجمات. محمد البرادعي الذي كانت مصر وأجهزتها الرسمية تحتفي به وهو مسؤولا دوليا ورئيسا للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وقبلها مسؤولا في دواليب الأمم المتحدة، وكانت مصر وأجهزتها الرسمية تزهو بمصريته، انقلبت تماما لما بدأ الرجل أول خطواته نحو الترشح للرئاسة بمصر. محمد البرادعي هو المسؤول السابق عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية، دخل مصر قبل أشهر، واستقبل استقبالا شعبيا كبيرا ضدا على ارادة النظام الحاكم في مصر بعد أن سرت أخبار عن نية ترشحه للرئاسة المصرية بعد انتهاء الولاية الحالية للرئيس حسني مبارك.

الطريق نحو الترشح لازال طويلا وشاقا أمام محمد البرادعي. فالترشح للرئاسة بمصر يتطلب استيفاء شروط، بل عوائق أحدثها حزب حسني مبارك لقطع الطريق أمام أي منافس محتمل لمبارك أو خليفته/ابنه جمال مبارك.

حسني مبارك يحكم مصر منذ 30 سنة، ولا سنه ولا صحته لم يعودا يسمحان له بالتأكيد بالاستمرار في سدة الحكم. لذلك، فإن الرجل يهيئ ابنه جمال مبارك ليرث مقعد الرئاسة في الوقت المعلوم.

حسني مبارك رئيسا أزليا عبر استفتاءات للمبايعة كما يحلو للحزب الحاكم في مصر أن يسميها. وطبعا، لا يمكن لحسني مبارك أن يترك المكان إلا لأهل الثقة والأولى بالمنصب ابنه جمال مبارك طبعا.

هناك سيناريو يقول إن جمال مبارك سيترشح للانتخابات بدل أبيه ويفوز طبعا. وسيناريو ثان يقول بتمرير الرئاسة أولا إلى عمر سليمان، رئيس المخابرات المصرية، بشكل صوري مع إعطاء الصلاحيات الحقيقية لجمال مبارك ومعه صفوة الشريف ورئيس الأركان، ثم بعد ذلك تنظيم انتخابات يفوز بها جمال مبارك دون أن يترشح لها عمر سليمان.

النظرية التي يروج لها مبارك وأجهزته مفادها أن ليس هناك في مصر من سيستطيع لجم الإسلاميين غيره، وليس هناك من يجتمع حوله شعب مصر غير حسني مبارك أو من يختاره مبارك. لذلك، فإن ظهور اسم محمد البرادعي قلب كل الحسابات. محمد البرادعي رجل له مكانة وصيت عالمي مميزان، له احترام داخلي قوي. رجل مشهود له بالخبرة والنزاهة والاستقامة. لذلك، ما أن علم الناس إمكانية ترشحه حتى التفوا حوله. وما أن علم محيط مبارك بعزم الرجل حتى أدركوا أن نظريتهم بعدم وجود رجل قوي وله خبرة لرئاسة مصر قد تحطمت، سواء ترشح الرجل أو لم يترشح.

المشكلة أن ترشح البرادعي لن يكون فقط صراعا رمزيا على الرئاسة مع رجل بل نظام فصّل كل شيء على مقاس حسني مبارك وآل مبارك، ولكن ترشح البرادعي قد يقلب فعلا موازين القوى داخل مصر.

قبل ثلاثة أسابيع، وبمجرد عودته من رحلته إلى الخارج، اجتمع البرادعي لأول مرة بكتلة الإخوان المسلمين داخل مجلس الشعب المصري. وقد أدرك الرجل بالتأكيد أنه للإطاحة بنظام كنظام حسني مبارك لا بد من التحالف مع الإخوان المسلمين ولو بشروط. في مصر قوى وطنية ديمقراطية أصيلة لها تاريخ كبير، ولكن تأثيرها في الشعب المصري ضعيف لعدة أسباب. وفي المقابل، هناك تيار إسلامي قوي وله تجذر شعبي. وسيكون من سابع المستحيلات هزم مبارك بل حتى التجرؤ على منافسته دون الاستعانة بهذه القوى. وهو ما باشره فعلا محمد البرادعي. رغم سمعة الرجل، ورغم رغبة الشعب المصري في التغيير ورغم التحالفات، فإن النظام المصري لن يذعن لهذه الضغوط. أكيد سترافقها ضغوط خارجية قوية، وسنسمع لأول مرة في مصر عبر تلفزيوناتها الرسمية وصحفها الرسمية معاداة لأمريكا واتهامات بالعمالة لأمريكا...

مهما كانت النتائج، فإن مصر ما بعد ترشح البرادعي لن تكون كما كانت قبلها، ولن تعود نفس الأبواق لتكرار نفس الاسطوانة المشروخة من كون شعب مصر عقيم عن ولادة رجل أو امرأة تنافس آل مبارك...
د.الطيب حمضي

29 juin 2010




قافلة الحرية: من يقبض الثمن؟

الهجوم الإسرائيلي على قافلة الحرية بذلك الشكل الهمجي والإرهابي ليس مفاجئا، لأنه يدخل ضمن طبيعة دولة إسرائيل القائمة على التقتيل والتهجير وإرهاب الدولة. الحكومات الإسرائيلية تتبنى رسميا أساليب إرهابية كجزء من منظومتها "الدفاعية" والهجومية. العقاب الجماعي، الاغتيالات، القرصنة، الاختطافات، التزوير، الاعتداء على سيادة الدول...
الذين نظموا قافلة الحرية نحو غزة، وهم في غالبيتهم من تيار "الأممية الإسلامية" المنتشر عالميا، وتوفقوا في عملهم، كانوا يعلمون أن إسرائيل لن تسمح بكسر الحصار على غزة. لكنهم أرادوا وضع إسرائيل أمام الأمر الواقع، إما السماح بوصول المساعدات والمتضامنين وكسر الحصار، وإما منع ذلك والدخول في مواجهة مع العالم.
إسرائيل، طبعا، فضلت الخيار الثاني، مواجِهةً بل متحدية العالم، مهما كلفها من ثمن، إلا القبول برفع الحصار عن غزة.
هناك ثلاثة أسباب تجعلها تختار المواجهة.
أولا، إذا سمحت بوصول المساعدات والمتضامنين، معنى ذلك أنها قبلت برفع الحصار، وقبل ذلك الخضوع لميزان قوى الرأي العام الدولي ضد إستراتيجيتها الخاصة. وهو ما لن تسمح به.
السبب الثاني هو إدراكها أن رد فعل العالم الإسلامي والعربي و العالمي المتضامن مع الحق الفلسطيني سينتهي بعد بضع بيانات ومظاهرات.
والسبب الثالث، وهو الأهم، هو إدراكها أنها حين تواجه العالم وتتحداه وترتكب مجزرة فإنها تقوم بشيء ستؤدي عليه الثمن فعلا، لكنها في نفس الوقت تعرف جيدا أن ليس هناك من سيقبض هذا الثمن!! وعليه، فهي لن تدفع ذلك الثمن بسبب غياب الطرف الذي سيقبضه!!
حين يرتكب طرف ما جريمة في حق طرف آخر، وفي حق القانون الدولي ويتواجه مع الدول والرأي العام الدولي، يدرك أن عليه، للتلطيف من أثر جريمته، أن يقدم بعض التنازلات. وهذا هو الثمن الذي يؤديه المعتدي، بالإضافة للتعرض للعقوبات حسب الحالات.
إسرائيل تدرك أنها لن تتعرض للعقوبات، وتدرك أن الطرف الذي سيقبض الثمن غير "مؤهل" لذلك، بسبب الانشقاقات والخلافات. الفلسطينيون للأسف، أو القيادات الفلسطينية، تفرقت بها السبل حتى تجزيء الوطن أو ما تبقى من الوطن. حماس تحكم غزة، وفتح ومعها السلطة تحكم الضفة الغربية. لا طرف يعترف بالآخر. لا لقاء، لا حوار، لا تصالح. هذه هي اللاءات الثلاث الجديدة.
موقع الفلسطينيين التفاوضي أصبح ضعيفا، لا بل لم يعد أحد يهتم بالتفاوض مع أي طرف منهم. التهم التي يتبادلها الفلسطينيون بينهم، من الخيانة، إلى الفساد، إلى الدكتاتورية، إلى ارتكاب الجرائم في حق الشعب الفلسطيني نفسه، تتناقلها الفضائيات صباح مساء. هذا الواقع الفلسطيني هو أخطر على القضية الفلسطينية من أي عنصر آخر.
لا يوازي هذا الخطر غير الإرهاب الإسرائيلي. والكارثة أن ليس هناك في الأفق ما يوحي بأن القيادات الفلسطينية مستعدة للتصدي للمهم ونسيان الثانوي.
إسرائيل مستفيدة من هذا الوضع وستضرب الحصار كل الحصار على غزة وعلى الضفة بعد دلك، ولا يعود للفلسطينيين من مغيث في غزة غير مصر وفي الضفة غير الاردن، للاستمرار في الحياة تحت الحصار القاتل، وتصبح مشكلة غزة مشكلة مصرية ومشكلة القطاع مشكلة أردنية، وإسرائيل لا دخل لها في ذلك! هذا هو الحلم الإسرائيلي، إلحاق غزة بمصر وإلحاق الضفة بالأردن وكفى إسرائيل شر الدولة الفلسطينية. طبعا، هذا حلم إسرائيلي قد يتحقق إذا استمر الفلسطينيون على خلافاتهم وانقسامهم، وقد يتحول هذا الحلم إلى "كابوس" إسرائيلي إذا التحم الصف الفلسطيني.
الدور المصري مهم بحكم التاريخ والواقع الجغرافي. ولكن لتركيا دورا مهما. العالم العربي جله دكتاتوريات وأنظمة مستبدة و فاسدة ومستعدة لبيع القضية بسبب مصالح خاصة للقادة وضمان استمرارهم في الحكم ونهب ثروات شعوبهم. تركيا تبحث عن مصالحها طبعا، لكنها مصالح مبنية على المؤسسات، وبالتالي حين تتلاقى مصالحها مع مصالح الشعوب العربية فتلك ضمانة لدعامة مهمة ومؤسسة. تركيا تبحث عن دور الريادة في المنطقة ودور الوسيط بين العالم العربي والإسلامي والغرب، بعد أن أدركت أن الغرب لن يقبلها.
تركيا تفرض نفسها على الغرب من خلال المنطقة العربية. وهذا شيء إيجابي، بل مستحب. على الفلسطينيين، اليوم وقبل الغد، أخذ هذه المتغيرات الجهوية بعين الاعتبار قبل أن يفوت القطار.
د.الطيب حمضي
11 juin 2010

المخيمات الصيفية: الحاجة إلى صيغة خلاقة

نحن على بعد بضعة أسابيع من انطلاق موسم المخيمات الصيفية. وسأتحدث اليوم عن المخيمات التي تنظمها الجمعيات والمؤسسات والأعمال الاجتماعية التابعة للقطاعات العمومية أو الشبه عمومية والقطاع الخاص.هذه المخيمات ترعاها وزارة الشبيبة والرياضة. وبالنسبة للعديد منها تمولها ولو جزئيا هذه الوزارة الوصية.
الحقيقة أن المنحة المخصصة لتغذية الأطفال كانت هزيلة ولازالت كذلك. والميزانية المخصصة للمخيمات تعاني من نفس الموضوع. وهذا مربط الفرس. لا يمكن النهوض بالمخيمات دون النهوض بميزانيتها. ومادامت ميزانية الوزارة نفسها ضعيفة، فإنه من العبث الحديث مجددا عن رفع الدعم للمخيمات. ومع ذلك، فإنها مسؤولية الوزارة أولا ومسؤولية الجمعيات التربوية أولا وثانيا. ,يمكن الوصول إلى معادلة خلاقة تسمح بنفض الغبار عن المخيمات دون انتظار ما لن يأتي.
لماذا الاهتمام بالمخيمات؟
قد يبدو الأمر ثانويا. والواقع أن الذين عايشوا المخيمات الصيفية مع الجمعيات يدركون الأهمية القصوى لهذه الفضاءات.
بدءا، الأطفال المنحدرون من عائلات ذات الدخل المحدود، والذين غالبا ما لا يتمكنون من مغادرة منازلهم خلال عطلة فصل الصيف، يجدون في هذه المخيمات فرصة سانحة، وبمقابل رمزي، للاستمتاع بالعطلة، ولاكتشاف مدن أخرى والإحساس بالتغيير. صحيح أن عدد المستفيدين قليل. بضع عشرات الآلاف من أصل الملايين، ولكن يمكن تطوير العدد.
وحتى بالنسبة إلى أطفال العائلات ذات الدخل المرتفع أو التي يمكنها توفير عطل مميزة لأبنائها، فإن تجربة المشاركة في مخيمات تربوية لا تخلو من فوائد عظيمة على المستوى البيداغوجي. أولها، أن يختلط هؤلاء الأطفال بأقرانهم من طبقات اجتماعية مختلفة، مع ما لهذا الاندماج من فائدة في التعرف على الواقع ومعايشته وإدخاله ضمن منطق الأطفال وفهمهم للحياة ولإدراكهم للعالم من حولهم.
ثم إن المخيم، بالإضافة إلى وظيفته الترفيهية، يقوم بوظائف أخرى. الطفل بالمخيم يتعلم الحياة مع الجماعة والتأقلم معها وقبول الآخر والتعود على الاختلاف وتقبله. يتعلم الطفل كذلك الاعتماد على النفس في ترتيب سريره ولباسه. ويتعلم الانضباط لروح الجماعة، من خلال توقيت الأكل والنوم واللعب والسهرات. كما يتعلم قواعد السلوك الجماعي وقواعد التغذية السليمة، والنظافة، والصحة. وتكون المخيمات فرصة للتحسيس مثلا بأهمية البيئة، وصحة الفم والأسنان، وبعض الأمراض. وهي فرصة لاكتشاف وتشجيع مواهب الأطفال في الفن، والثقافة، والخط، والرياضة والأعمال اليدوية...
المخيمات التربوية تجربة مميزة وفريدة، لا يدرك فوائدها إلا القليلون للأسف؛ طبعا هذه الفوائد لها شروط لكي تتحقق. أولها وجود بنية تحتية تتوفر فيها الشروط الدنيا للمخيمات من حيث التجهيز والتأطير والسلامة. وشرط الحد الأدنى من الميزانية المخصصة للتغذية والترفيه والصحة. وشرط التأطير التربوي المحكم. طبعا، هناك جمعيات تخصص من عندها ميزانيات إضافية لإنجاح مخيماتها وجمعيات أخرى يديرها بعض سماسرة المخيمات الذين يجدونها فرصة لسرقة أموال العائلات وحتى سرقة قوت الأطفال. وهناك مسؤولون بالوزارة الوصية يتفانون في العمل لإنجاح المخيمات، وآخرون كذلك يجدونها فرصة للاستفادة من الصفقات على هزالتها أصلا.
هذه أشياء على الوزارة الوصية أن تنكب عليها بمعية ومرافقة الجمعيات التربوية. لكن المشكل لا يكمن هنا فقط. إذ إن الميزانيات المخصصة لقطاع التخييم بل قطاع الطفولة هي أصلا ميزانيات هزيلة. وهنا، على الجمعيات والوزارة الوصية التفكير عميقا لإيجاد حلول خلاقة لتحسين ظروف المخيمات والرفع من عدد المستفيدين منها، دائما في ظروف تربوية بل إنسانية، وليس حشر أبناء الشعب داخل أي مكان، بدعوى أن اللهم هذه المخيمات رغم رداءتها ولا البقاء وسط «البرارك» ومدن الصفيح الصيف كله!!
نعم، بالإمكان الحصول على الأفضل.
ما يقال عن المخيمات هو نفسه ما يقال عن دور الشباب التي يجب أن تتحول من بنايات شبه فارغة في عدد من المناطق إلى نقط جدب وتأطير للشباب.
هذا لن تقوم به الجمعيات التربوية وحدها، ولا وزارة الشباب والرياضة وحدها. ولا يمكن أن يتم التفكير فيه في خضم مخطط أو رؤية مستعجلة، بل يتطلب الأمر قرارا سياسيا، ورؤية إستراتيجية تبلورها لجنة للتفكير الاستراتيجي في كيفية الاستفادة مما هو متاح للحصول على أجود النتائج في مجال تأطير الطفولة والشباب. لجنة تعرف الواقع، تعرف الأرقام، وتدرك أهمية تأطير الشباب والطفولة.
من غير رؤية إستراتيجية، ستظل الفضاءات المخصصة للطفولة أو الشباب كما هي، تتضاءل سنة بعد أخرى.
د.الطيب حمضي
27 mai 2010
www.tayebhamdi.blogspot.com

مصطفى حفيظ: القلب الكبير

شهدت قاعة الحرية بمدينة فاس يوم السبت الأخير 24 أبريل لقاءا حاشدا إحياء للذكرى الأربعينية لرحيل الفقيد العزيز مصطفى حفيظ.
بسبب ظرف عائلي قاهر، أبلغته إلى عائلة الفقيد وللمنظمين، لم أتمكن من أن أكون مع المجتمعين في رحاب مدينة فاس الشامخة، لإحياء أربعينية شخصية شامخة في قلوب كل الذين عايشوا وعرفوا مصطفى حفيظ.
ولكن حياة الفقيد المليئة بالعطاء المتواصل في صمت تقتضي منا أكثر من وقفة وشهادة، وفاء للعزيز الذي أعطى من غير حساب وبنكران للذات قل نظيره.
الوفاء والقلب الكبير: كلمتان تلخصان شخصية وحياة مصطفى رحمه الله.
كان مصطفى رجلا وفيا حتى النخاع، وفيا لأصدقائه، وفيا لتعهداته، وفيا لمبادئه، وفيا لالتزاماته، وفيا لقناعاته، وفيا للماضي وللتاريخ، وفيا للأمكنة التي أحبها والتي عاش فيها.
أخي وعزيزي مصطفى حفيظ كان رجلا بقلب كبير. لم يكن يحمل ضغينة لأحد، حتى لمن يمكن أن يسيء إليه. كان خدوما، يكفيه أن يعرف أنك تحتاج شيئا ما أو خدمة ما حتى يسرع لتلبيتها قبل أن تطلبها منه.
أكيد أن كثيرين قد يقولون إن هذه كلمات تقال في حق أناس نحبهم بعد رحيلهم. اسمحوا لي أن أقول إنهم مخطئون. هكذا فعلا كان مصطفى حفيظ وهكذا كنت، وكنا نقول عنه وهو بيننا.
عرفته في حركة الطفولة الشعبية وفي الشبيبة الاتحادية مناضلا، متطوعا نشيطا، منظما، مؤطرا، مسافرا، متدبرا، منصِتا، محاورا. ومن أول لقاء بيننا لم تنقطع علاقتنا ولا خفتت صداقتنا ولا تعثرت محبتنا.
صاحب القلب الكبير بالمحبة والوفاء كان مصابا بداء في صمامات قلبه. وكان من الضروري أن يجري عملية على القلب في نهاية الثمانينيات. العملية مكلفة وكنا جميعا في المرحلة الطلابية. حاول في كل اتجاه، ولم يكن من حل. وعُرض ملفه على السيدة الفاضلة أمينة السوسي بإذاعة طنجة عن طريق صديقة لنا وهي الأستاذة خديجة وحيد التي كانت متعاونة آنذاك مع إذاعة طنجة. مباشرة بعد عرض الملف، تكلف محسن عراقي مقيم بطنجة بكل مصاريف العملية. أُجرِيت العملية ونجحت وعاش بعدها مصطفى حفيظ مطمئنا، بعيدا عن القلق والخوف الذي كان يساوره شهورا عدة.
كان يعرف أن حالته تتطلب عملية جراحية، وأن مصاريفها مرتفعة، وأن لا قدرة له بها وقتها وهو طالب جامعي. كنت أقرأ الخوف في عينيه، كلما حل عندي بالرباط وقتها، لإجراء الفحوصات الدورية عند البروفيسور عبد المجيد بوزوبع. سنوات بعد ذلك، ستتطلب حالته تدخلا جراحيا آخر على القلب، لكن وقتها كان قد اشتغل ويتمتع بتغطية صحية. خرج من العملية الثانية معافى. لكن قلبه لن يتحمل كثيرا، لتبدأ رحلة العلاج الأخيرة سنوات بعد ذلك. رحلة تابعتها وإياه حتى آخر لحظات حياته.
عاش حفيظ كل مراحل الحياة متشبثا بالأمل. كان دائما متفائلا، رغم صعوبات الحياة ومطباتها أحيانا، وصعوبات المرض والعلاج. رغم كل ما عاناه، لم يبخل أبدا على مدينته التي ترعرع بين حواريها، مدينة فاس التي كان يعشقها، وجعلني أعشقها. لم يكن من الممكن أبدا وأنا طالب بكلية الطب بالرباط أن أدخل فترة الامتحانات الدورية بالكلية، دون أن أزور مدينة فاس وأزور مصطفى حفيظ. كنا نسير بل نتيه في مدينة فاس راجلين. حفيظ كان رجل المسافات الطويلة. أماكن كثيرة، على بساطتها، تذكرني اليوم بأجمل اللحظات مع عزيزي مصطفى حفيظ.
لم يبخل على الشباب أبناء جيله وهو مناضل داخل صفوف الشبيبة الاتحادية ومناضل بالقطاع الطلابي الاتحادي. لا يبحث عن موقع ولا يتنافس على مسؤولية. لم يبخل على الطفولة المغربية وهو الإطار التربوي بحركة الطفولة الشعبية مؤطرا لأنشطة الأطفال والمخيمات الصيفية. وعمل في الميادين كذلك داخل الأوراش المغربية للشباب.
كان مصطفى حفيظ رسول سلام حين تختلف الرؤى والمواقف. ذلك لا يعني مطلقا أنه لم يكن يتخذ موقفا. بل حتى وإن اختلف، يحترم الجميع وجميع الآراء ويحترمه الجميع. وإذا لاحظ أن السبل تفرقت بين شركائه، كان ينزوي بصمت.
بالنسبة لي، لا يزال حفيظ بمدينة فاس. والحقيقة كذلك. مادام فيها ناس يحبونه، ويتذكرون جليل محبته وعطائه، فإن فاس لازالت عامرة بروحه ورح أمثاله من الرجال والنساء البسطاء العظام، الذين أعطوا في صمت ورحلوا في صمت. إذا كان الأطفال يموتون «ملائكة»، فإن مصطفى حفيظ مات طفلا ..
رحم الله فقيدنا الغالي مصطفى حفيظ.
23 أبريل 2010

المصحات الخاصة

أعدت مصالح الوزارة تقريرا مفصلا عن الحالة التي توجد عليها بعض المصحات التابعة للقطاع الحر بعد زيارات ميدانية قام بها مسئولون من الوزارة الوصية على القطاع لعدد من المصحات المغربية. وحسب ما تم الاطلاع عليه لحد الساعة من المعطيات الواردة في التقرير، فإن الوضعية بالكثير من هده المؤسسات مأساوية ومقززة بالنسبة للرأي العام الذي سيطلع على تفاصيل وحقائق يعرفها لأول مرة.
التقرير الصادم الذي اطلع الرأي العام على بعض من تفاصيله يصف الحالة المزرية التي توجد عليها عدد من المصحات الخاصة، حيث تقادم وتآكل تجهيزاتها، وضعف بنياتها، وقلة مواردها البشرية، وضعف تكوين الطاقم التمريضي بها، وعدم احترام المعايير الطبية في قاعات الجراحة والإنعاش...
التقرير هو خلاصة زيارات ميدانية لعدد من المصحات بمدن مغربية وفي مقدمتها أهم المصحات بالدارالبيضاء والرباط.
يمكن لي اليوم أن أقدم شهادة في الموضوع ليس فقط كملاحظ أو شاهد ولكن كطبيب ممارس. تقديم شهادة حول واقع الحال داخل المشافي الخاصة بالمغرب والمصطلح عليها بالمصحات.
الواقع الذي يتحدث عنه التقرير على الأقل في الأجزاء التي اطلعنا عليها هو حقيقة قائمة وقاتمة. عدد كبير من المصحات الخاصة لا يهتم إلا بالواجهة, بل أحيانا حتى هذه لا يهتم بها. أما التجهيزات والأطر التمريضية، فتلك قصة أخرى. المساعدون الطبيون العاملون بالمصحات جزء منهم ممرضون لدى مستشفيات وزارة الصحة ويعملون بالمصحات خلسة (عمل سري)، والباقي شباب يتم تشغيلهم بدون أي تكوين أو دراية بعلوم التمريض، ليسهل استغلالهم وتشغيلهم في ظروف سيئة وبأبخس الرواتب.
التجهيزات الطبية إما منعدمة أو معطلة أو متقادمة, العمل ضمن شروط غير طبية وعدم احترام المعايير المطلوبة داخل قاعات التوليد والمركبات الجراحية وقاعات الإنعاش.
هذا الواقع على الأطباء من خلال هيأتهم الوطنية ووزارة الصحة والنقابات الطبية أن يتدارسوه لمعالجته. لم يعد مقبولا أن يلج المريض بالمغرب مؤسسة استشفائية، سواء في القطاع العام أو القطاع الخاص، ويجد نفسه داخل مؤسسة فيها كل شيء إلا الضمانات الطبية لحسن العلاج.
هذا التقرير وهذا النقاش لا يجب أن يدفعنا في المقابل إلى التنكر للإضافة النوعية التي أضافتها المصحات الخاصة للنظام الصحي بالمغرب. ففي ميدان أمراض وجراحة القلب والسرطان وجراحة الدماغ والأعصاب وغيرها, وفرت هذه المصحات أرضية طبية وبشرية كفأة ساهمت كثيرا في علاج عدد من الحالات المستعصية لم يكن لها أن تجد موطئ قدم داخل المشافي العمومية.
دور المشافي الخاصة أو المصحات دور مهم وأساسي داخل المنظومة الصحية المغربية، لكن للأسف هو قطاع يرزح تحت وطأة عدد من المشاكل تجعله يصل إلى الوضع الذي تحدث عنه التقرير.
الناس حين يناقشون وضع المصحات لا يتحدثون إلا عن جانب واحد هو المال! لا يمكنك دخول مصحة دون وضع"تسبيق" أو شيك لضمان التسديد. ليس في قلوبهم شفقة... علما أن هذا هو الجانب الخاطئ في الموضوع.
المغاربة ليست لديهم تغطية صحية تتكفل بهم. وبالتالي، فالمصحات تعرف أن المريض بمجرد ما يتجاوز مرحلة الخطر التي قادته إلى المصحة حتى تتنكر عائلته لكل التزاماتها. من حق المصحات أن تطلب ضمانات ومن يقول إن في قلبه رحمة أكثر من أصحاب المصحات ما عليه إلا أن يلتزم بدفع كل الأتعاب التي يذهب أصحابها بدون تأديتها, ويومها لن تطلب أي مصحة من أي مريض أي ضمانة. أما أن يدعي البعض الإنسانية على حساب ميزانية المصحات فهذا عبث.
لذلك، قلت إن المشكلة الحقيقية ليست هنا. المشكل الحقيقي هو في شفافية العلاجات، بحيث يرى المريض لماذا ولج المصحة ويعرف أي علاج ينتظره, الشفافية في الفوترة. وقبل كل شيء أن يتلقى المريض علاجا في مستوى ما تعلن عنه المصحة، لا أن يدخل إلى عالم مجهول أو محفوف بالمخاطر. على وزارة الصحة أن تفتح ورشا كبيرا اسمه التطبيب بالمشافي الخاصة وخلق نقاش عميق حول سبل النهوض بالقطاع.
هناك مشكل تمركز المصحات بمحور البيضاء الرباط . هناك مشكل رأس مال المصحات التي لا يمكن أن يستثمر فيها إلا الأطباء. ألم يحن الوقت للتفكير في فتح هذا الرأسمال في وجه المستثمرين, رغم أن الأطباء يرفضون ذلك.
هذا نقاش مهم لا يمكن إغلاقه بحجة أن باب الاستثمار بالمصحات سيفتح باب التجارة بالصحة، وكأن الأطباء حين يفتحون المصحات يحولونها إلى خيريات!! هناك مشكل التغطية الصحية الضعيفة التي لا تكفي لتشغيل المصحات. لهذه الأسباب، تجد مصحات برؤوس أموال محدودة وتنتظر الشروع في الأرباح في أقرب وقت، مما يدفعها إلى التورط في رداءة الخدمات.واقع الحال بالمصحات الخاصة يبعث على القلق، ونتمنى أن يكون التقرير نقطة البدء لفتح نقاش عميق حول الموضوع في مختلف جوانبه: الخريطة الصحية، الجانب المالي والجبائي، التكوين، العلاقة مع منظمات الاحتياط الاجتماعي والتغطية الصحية الأساسية، القوانين المنظمة للاستثمار في المجال الصحي....، حتى تكون مصحاتنا في مستوى الخدمات التي ينتظرها المغاربة.
الدكتور الطيب حمضي
30 mars 2010

عباس شباط: اللعب بالنار

ناقش المجلس البلدي لمدينة فاس مؤخرا قرارا يتم بمقتضاه الطلب من السلطات المختصة منع بيع الخمور بفاس وإغلاق الحانات والملاهي. السيد حميد شباط عمدة مدينة فاس هو محرك هذه القضية والواقف وراءها مع دعم كامل من طرف حزب العدالة والتنمية. وعلى عكس ما توقعه المراقبون، فإن السيد عباس الفاسي، الأمين العام لحزب الاستقلال والوزير الأول، أيد بشكل مباشر ومطلق ما أقدم عليه شباط، بل اعتبر أن ذلك يدخل في إطار التوجه العام لحزب الاستقلال.
الموضوع تختلف فيه الحسابات المحلية والوطنية والشعبوية، وهو خليط من بارود اجتماعي واقتصادي وسياسي، إذا لم يتم تداركه قد ينفجر في أيدي الذين حركوه. تعالوا ننظر عن قرب إلى الموضوع.
القانون المغربي يمنع أصلا بيع الخمور للمسلمين ويعاقب على السكر العلني. فإذا كان عمدة فاس يقصد منع المسلمين من التعاطي للخمور والملاهي والحانات بفاس، فالقانون موجود وما عليه سوى المطالبة، بل والعمل على تطبيقه. السيد شباط لا يهدف إلى ذلك، بل يريد أن يتم منع بيع الخمور منعا تاما بمدينة فاس, لا بالنسبة للمسلمين ولا غير المسلمين ومنع الحانات ومنع الملاهي، لأن شباط يقول إن مدينة فاس هي العاصمة الروحية للمغرب ولا يجوز أن تُلوَّث المدينة بالمشروبات الروحية والمراقص وغيرها من الموبقات التي تركها السيد العمدة لباقي مدن المغرب الأخرى "الغير روحية"!!
السيد شباط يريد تطهير مدينة فاس بمنع بيع الخمور ومنع الملاهي على السياح. بالنسبة للمغاربة، لا يحتاج لا شباط ولا عباس الفاسي ولا حزب الاستقلال ولا العدالة والتنمية, لا يحتاجون لقرار أو لقانون. القانون موجود وما عليهم سوى أن يظهروا إرادتهم الحقيقية بتطبيق هذا القانون.
لو كان وراء هذا القرار رجل لا يوجد في مراكز القرار، لقلنا إن هذا الرجل يريد البدء بمدينته، مادام لا سلطة له على باقي مناطق المغرب. لكن حميد شباط، بالإضافة إلى كونه عمدة فاس, هو عضو بارز في قيادة حزب الاستقلال وبرلماني. وحزب الاستقلال هو الذي يقود الحكومة. ومادام السيد عباس الفاسي يؤيد شباط في قراره، بل يعتبر ذلك يدخل ضمن التوجه العام لحزب الاستقلال, لماذا لا تقرر الحكومة منع بيع الخمور بالمغرب تماما!
لماذا لم يتقدم الفريق الاستقلالي بمجلس النواب بمشروع قرار يمنع الملاهي والحانات وبيع الخمور بالمغرب منعا مطلقا حتى يتم تطهير المغرب كله من هذه الموبقات؟
هل يعقل أن يناضل عباس الفاسي وحميد شباط لتطهير مدينة فاس وحدها دون مدن المغرب التي سيتركونها حكرا للفساد والمفسدين؟ ألا تستحق مدينة مكناس وطنجة ووجدة ومولاي إدريس زرهون ومراكش وأكادير وقصبة تادلة والرباط ووزان والبيضاء... ألا تستحق هذه المدن الطمأنينة والروحانية التي يبحث عنها شباط وعباس الفاسي لمدينة فاس؟ أليس سكان هده المدن وغيرها في نفس درجة طهارة أهل فاس وفي نفس "مغربيتهم"؟
أكيد أن منع الخمور والملاهي سيؤثر على السياحة، بل سيقضي عليها، لكن ذلك يمكن التغلب عليه إذا تضافرت الجهود، وأولها جهود عباس الفاسي ومعه شباط، لتوفير العمل لمئات الآلاف من الناس الذين يعيشون من السياحة، وتوفير المداخيل من العملة الصعبة. وأكيد أن لشباط ومعه عباس الفاسي تصورا متكاملا حول محاربة بيع الخمور بشكل سري وتهريبها ونشاط الشبكات التي ستتكون لتزويد السوق بالخمور. فمنع بيع الخمور لا يعني اختفاءها. في العربية السعودية، مثلا، يمكنك الحصول على كل ما تريده, رغم أن المنع يطال كل شيء, فالأحرى هنا، حيث نلعب ورقة الانفتاح الاقتصادي والقرب من اروبا ...
المغاربة ليسوا شعبا سكيرا, ولا لقيطا, ولا فاسدا, ولا حتى ذواقا للخمور. أغلب المغاربة لا يتعاطون الخمور والملاهي، وان تعاطوه بشكل مناسباتي ونادرا بشكل مستمر أو مرضي. وبالتالي، فإن قرارا مثل هذا لن يسيء للأغلبية في شيء, بل على العكس قد يفيد فئة من الناس تتعاطاه بلا فرامل، عدا الذين يبحثون عن الخمور مهما كانت الوسيلة. ولكن هل فكر شباط ومعه عباس الفاسي في ما سيترتب عن القرار حقا؟ في مخلفاته الاقتصادية والأمنية؟ والاجتماعية والسياسية؟
السيد عباس الفاسي يرأس الحكومة ووراءه حزب الاستقلال وما حميد شباط الا عضوا فاعلا ونموذجا للحزب، ادا ارتأيتم أن تمنع الخمور والملاهي والمراقص عن السياح لأسباب اجتماعية أو دينية حتى فالمغاربة معكم. وادا ارتأيتم أن تمنع المسرح وقاعات العروض والموسيقى فلا مانع. و ادا كانت الديمقراطية رجس من عمل الشيطان فلا بأس أن نجتنبها. المهم أن تقولوا لنا مادا تريدون حقا وأين تبدأ حرية الأفراد والمجتمع بالنسبة لكم وأين تنتهي. فمصالح المجتمع والبلاد الاقتصادية والاجتماعية، كل حزب أو جماعة تفهمها حسب تمثلها وفهمها للحرية، للمسؤولية، للتضامن ، للعدالة بل حتى حسب فهمها وتمثلها للدين نفسه.
السيد شباط، البرلمان أمامكم لطرح القرار. السيد عباس الفاسي، الحكومة أمامكم (عفوا تحت تصرفكم) لاتخاذ القرار. وسنكون أول المصفقين. لكن حذار من اللعب بالنار.
الدكتور الطيب حمضي
02 mars 2010

الطاهر بورحى: عاش أميرا ومات أميرا

يوم الأحد 3 يناير 2010، أسلم الروح إلى باريها رجل عظيم ونبيل، ويوم الجمعة الأخير11فبراير، أحيت حركة الطفولة الشعبية ذكراه الأربعينية بحضور جمهور من أقربائه وأصدقائه ومعارفه وتلامذته في العمل التطوعي، أغلب قادة العمل الجمعوي.
قيلت في حقه كلمات وشهادات. مع ذلك، أقدم اليوم شهادة في حق هذا الرجل باسم الصداقة والمحبة التي جمعتنا، وكذلك وفاءا لرجل أعطى دون أن يطلب، علّم دون أن ينتظر، تطوع وناضل دون أن يبحث عن مواقع.
الطاهر بورحى، واسمه الحقيقي الطاهر بورحي (بالياء)، رجل عمل في مجال الجمعيات التربوية وفي المجال الثقافي والسياسي. وفي كل تلك المجالات، كان صادقا، نقيا، وفيا. ولكن أحب الميادين إلى قلب الطاهر كان بدون مجادلة هو العمل في مجال التربية.
أصلا، الرجل كان رجل تربية وتعليم. وهي المهمة التي مارسها بإتقان حتى إحالته على التقاعد. أبلى فيها بلاء قل نظيره. وعمل داخل الجمعية المغربية لتربية الشبيبة، وبعدها داخل حركة الطفولة الشعبية، لعقود من الزمن. أحب الحركة والعمل فيها ومن خلالها مع الأطفال والشباب، حتى التصق اسم حركة الطفولة الشعبية بالطاهر بورحى، وتماهى اسم الطاهر بورحى مع حركة الطفولة الشعبية.
الذين يعملون في مجال الخدمات التربوية والشبابية، من مسئولين في وزارة الشباب والرياضة والجمعيات الشبابية والتربوية، كلهم يعرفون الطاهر بورحى وعطاءاته وتاريخه. لكن من الجمهور الغير مختص من لا يعرف هذا الرجل، ويتساءل من يكون الطاهر بورحى؟ وماذا أعطى للمغرب؟ ولِم لم يكن يتحدث عنه الناس والإعلام؟
الطاهر كان مسؤولا قياديا في حركة الطفولة الشعبية. ومن هذا الموقع، كان على اتصال بفروع الحركة بمختلف مدن المغرب، وكان مؤطرا للاجتماعات الوطنية واللقاءات، وكان دائم الالتزام والحضور لتأطير المخيمات الصيفية التي تخصصها الجمعية للأطفال والمراهقين. الطاهر بورحى كان له مكان واحد يعشقه: مخيم عين خرزوزة بناحية أزرو.
أحب الطاهر عين خرزوزة حتى حفظها عن ظهر قلب، أشجار الأرز، وطرقها، ومسالكها، وحتى قردتها. علّم أجيالا وأجيالا كيف تحافظ على البيئة وكيف تحب الأطلس وتحافظ على ثروته الطبيعية.
يقدم لك مخيمات المنطقة واحدا واحدا، وأهم المسالك وأهم الأشجار وأكبر القردة التي كانت تحمل أرقاما في إطار برنامج الحفاظ عليها من الانقراض. لكن ليس هنا إبداع الطاهر الذي أريد الحديث عنه.
الطاهر بورحى لم يكن منظرا يعطي دروسا. كان هو نفسه مدرسة في التواضع، والاعتدال، والتطوع، و نكران الذات. هو نفسه كان درسا بل مدرسة قائمة الذات. الطاهر لا يقول لا أمام المهام، يتطوع بدون تردد، لا يسابق أحدا على المناصب. كان عقلانيا، ومتبصرا، يناقش، ويحاجج، وغالبا ما كانت مقارباته هي الأسلم. حين يتم اتخاذ القرار، يحترم قرار الأغلبية. كان متبصرا. ولن أجازف إذا قلت إن دور الطاهر بورحى كان مركزيا في تلاحم الجمعيات وفي التعاون بينها و بين الوزارة الوصية على القطاع، أي وزارة الشباب و الرياضة، لما فيه صالح الشباب والطفولة المغربية، خصوصا المنحدرة من المناطق والطبقات الفقيرة والمحرومة.
كثيرون كانوا يعتقدون طيبوبة الطاهر سذاجة، ويستغلونها لتحقيق مآربهم. لكن إذا حدثته، تكتشف أنه يعرف حسابات هؤلاء الآخرين جيدا، لكن فلسفته في الحياة هي الطيبوبة.
الطاهر بورحى لم ينتم إلى أي جيل، لأنه عاشر وصادق و تآلف مع كل الأجيال. كل الأجيال التي عايشت الطاهر بورحى تحس بأنه ينتمي إليها. والطاهر هو هو، مع جيل الستينيات والسبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، ومع جيل بداية القرن الواحد والعشرين. رجل صافي القلب والخاطر، ليس هناك ما يبعده عن الناس الذين أحبوه وأحبهم.
عين خرزوزة هي جنة الطاهر، أحبها وعشقها حتى صار معروفا بأمير خرزوزة. والحق أنه كان كذلك، بل كان أميرا في أخلاقه وأنيقا في تصرفاته.
هكذا عاش الطاهر أميرا، وظل كذلك حتى مات أميرا.
العمل الجمعوي مع الطفولة والأطفال والشباب ليس سهلا. إنه عمل ميداني، متواصل، مرهق، يأخذ الكثير من الوقت، عمل لا يستحمله إلا القليلون. الطاهر كان واحدا منهم .
شخصيا، عملت سنوات داخل حركة الطفولة الشعبية مع الأطفال والشباب، لكن التزامات أخرى أبعدتني عن هذا المجال. وهذا ما يقع للكثيرين.
الطاهر بورحى، أمير خرزوزة، "الهو"... أسماء لرجل واحد. "الهو" لقب له قصة سيأتي وقت سردها، ليس الآن، هي و حكاية رحلة جمعتنا سويا الى مصر في إطار عمل جمعوي.
هذا هو الطاهر الذي عرفته، وتتلمذت على يديه في حركة الطفولة الشعبية، وتعلمت منه الشيء الكثير وصادقته وأحببته واحترمته. هذا هو أستاذي وعزيزي وصديقي الطاهر بورحى رحمه الله.
قبل سنوات، وضعت صورة لياسر عرفات بقاعة الانتظار بالعيادة، كعربون تضامن مع الرجل ضد إسرائيل التي كانت تحاصره بالمقاطعة برام الله. لا أقدس الأشخاص، وأترك مساحة بين الإعجاب بأعمال الأفراد وأشخاصهم. لكن وجود رجل من عيار ياسر عرفات، (رغم كل المؤاخذات والتي كتبتها في حينها) وجود رجل من وزنه تحت حصار ظالم أمام أعين العالم جعلني أعلق صورته. زارتني يوما دبلوماسية غربية بالعيادة وتعجبۤتْ بعض الشيء لوجود الصورة وسألت وهي التي تعرف أني لا أقدس عرفات، وقلت لها إن قراري للتضامن الشخصي هو هدا مع التزامي بالعمل التضامني الجماعي. وسألني أناس غيرها. وكانت تلك رسالتي. ما علاقة الطاهر بورحى بهذا وبياسر عرفات؟
الطاهر بورحى هو الشخص الثاني بعد ياسر عرفات الذي سأخصص له حيزا شخصيا ليتعرف عليه الناس، على عظمة شخصه في بساطتها و على سيرته. لا أقارن بين الرجلين ولكن أقول ما أحس به من الناحية الإنسانية والشخصية.
هذا على المستوى الشخصي. أما على المستوى العام، فإني أتطلع، كما الكثيرين من محبيه، إلى التفاتة ملكية اتجاه رجل خدم الطفولة المغربية والشبيبة المغربية في صمت، خدمها في ظروف صعبة، خدمها بعد أن هجرها الكثيرون. التفاتة ملكية نحو روح الطاهر بورحى وعائلة الطاهر بورحى: زوجته الفاضلة السعدية وحنان ومونية والمهدي وخولة.
أتطلع إلى التفاتة قوية من الوزارة الوصية على القطاع ومن السيد منصف بلخياط، وزير الشباب والرياضة، الذي قد لا يعرف الطاهر بورحى، لكن كل مساعديه وكل وثائق الوزارة ومكاتبها تعرف الرجل.
أتطلع إلى التفاتة من مجموع الجمعيات التربوية نحو الرجل والذين رحلوا قبله. فلتكن مبادرة، حركة، نشاط... المهم أن يكون هناك يوم للوفاء للرجل و لأمثاله، يوم للوفاء لأبطال عملوا في صمت ورحلوا في صمت.
رحمك الله أخي الطاهر بورحى وأسكنك فسيح جنانه.
الدكتور الطيب حمضي
16 février 2010
Taher Bourha

الجهوية والانتقال "الجهوي"

ادا دخل المغرب مرحلة الجهوية الديمقراطية الفعلية سنكون أمام مسلسلين المسلسل الديمقراطي الذي لم ينته فيه الانتقال بعد إلى ترسيم الحياة الديمقراطية بشكل لا رجعة فيه وأمام مسلسل بناء جهوي سيتطلب هو الأخر عملا يمر عبر ما يمكن أن نسميه "بالانتقال الجهوي"
الجهوية مرحلة متقدمة من البناء الديمقراطي. الجهوية الفعلية هي نقل للسلطات من المركز المهيمن إلى الجهات الأكثر دراية بمشاكلها وبالحلول المناسبة لهذه المشاكل. هي مرحلة أكثر تطورا في الديمقراطية. إنها لا تعني فقط نقل السلطة من "الحاكم" إلى الشعب يمارسها عبر ممثليه المنتخبين عبر صناديق الاقتراع، بل نقل السلطات من المركز حتى وإن كان منتخبا إلى الجهات.
ليست كل الأنظمة الجهوية ديمقراطية بالضرورة. فقد يتعلق الأمر بتقسيم جهوي ترابي الهدف منه هو التحكم أكثر في تفاصيل الحياة داخل كل الجهات، أو تنظيم جهوي ينقل ديكتاتورية المركز إلى الجهات. في هذه الحالات، يتعلق الأمر بتنظيم إداري وترابي جهوي أكثر منه جهوية. المشاكل محلية والحلول مركزية, هذه ليست جهوية.
الجهوية هي أبعد من التنظيم الترابي والإداري على أساس الجهة، بل هي تدبير للشأن المحلي والجهوي من منطلق جهوي, وإمكانات جهوية, وإبداع جهوي، وطاقات جهوية, وكفاءات جهوية...
في بلادنا، حيث لازلنا نعيش حالة الانتقال الديمقراطي, الذي عمَّر طويلا, وحيث لازالت المؤسسات المنتخبة لا تمارس حتى الاختصاصات المخولة لها, فالأحرى أن تطالب بتوسيعها، هل يمكن أن نحلم بجهوية فعلية؟ هل الجهوية ستساهم في تسريع الانتقال الديمقراطي؟ أم لابد من إكمال الانتقال الديمقراطي قبل الحديث عن جهوية فعلية؟ هل مشروع الجهوية هو فقط إجابة دستورية وسياسية على مرحلة وظروف خاصة (قضية الوحدة الترابية)؟ أم هو جزء من المشروع الحداثي الديمقراطي الذي بشر به العهد الجديد؟
السياسة ليست فيها أنماط ثابتة, لذلك يمكن تصور أن مشروع البناء الجهوي ببلادنا سيصاحب الانتقال الديمقراطي، أي أن نقل السلطات وتنظيم الجهات وبناء الجهوية لن يكون سابقا ولا لاحقا، بل مصاحبا لعملية الانتقال الديمقراطي نفسها. وهذا شيء جيد ومقلق في نفس الوقت. جيد، لأنه على أية حال يربح البلاد خطوات نحو الحياة الديمقراطية الحقيقية. ومقلق من جهة الخوف أن تتحول عملية البناء الجهوي إلى مسلسل طويل, تؤثثه خطوات متقدمة وأخرى ترجعه إلى الوراء، أي أن لا يسير البناء الجهوي في خط مستقيم إلى الأمام، بل في خط منعرج، أحيانا يتقدم, وأخرى يتراجع، وتارة يراوح مكانه, مثله مثل الانتقال الديمقراطي.
الجهوية خيار استراتيجي حكيم, ديمقراطي ومستقبلي. تلزم إرادة قوية وانخراط جماعي لإنجاحه، حتى لا يتعثر "الانتقال الجهوي".
الدكتور الطيب حمضي
27 janvier 2010

برج خليفة وجريمة بن زايد

الخبر الأول: إمارة دبي تفتتح أعلى برج في العالم: برج خليفة. رئيس الإمارات العربية المتحدة، هو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان.

الخبر الثاني: محكمة العين الإماراتية تصدر حكمها بالبراءة على الشيخ عيسى بن زايد آل نهيان.

الشيخ عيسى بن زايد آل نهيان هو أخ الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان الذي هو حاكم إمارة أبو ظبي ورئيس الإمارات العربية المتحدة.

الشيخ عيسى خضع لمحاكمة بعد أن اتُّهِم بارتكاب جريمة شنعاء تستحق أن تحكى.

لم يكن من الممكن حتى تقديمه للمحاكمة لو أن الجريمة لم تصور على شريط فيديو ولو لم تعرض على شبكة ABC التلفزيونية الأمريكية الواسعة النفوذ.

الجريمة ارتكبت منذ سنوات ولم تحرك السلطات الإماراتية ساكنا رغم علمها بالموضوع.

الشيخ عيسى بن زايد آل نهيان يظهر في شريط فيديو وهو يعذب في مكان ما بصحراء أبو ظبي تاجرا أفغانيا. استعمل الشيخ ومعه شرطي بزيه الرسمي وبعض المساندين لوحا خشبيا به مسامير لضرب الأفغاني على مؤخرته وهي عارية. وبعد أن أدميت صب عليها الشيخ الملح ليزداد التاجر ألما. وأدخل عمودا في مؤخرة الرجل. صعق الشيخ ضحيته بالكهرباء على جهازه التناسلي. ملأ الشيخ فم الأفغاني برمال الصحراء. جلده بالسوط. أطلق الرصاص ملعلعا حول التاجر موهما إياه بالقتل. وضعه على الأرض غير قادر على الحركة وأرجع عدة مرات سيارته إلى الوراء للدوس على أرجل الأفغاني. الشريط الذي بثته قناةABC الأمريكية وتناقلته مخلف القنوات التلفزية ووسائل الإعلام العالمية شهر أبريل الماضي، يوجد على عدة مواقع الإنترنيت وأهمها يوتوب. وقد تتساءلون لماذا عذب الشيخ عيسى بن زايد هذا الأفغاني بهذه الطريقة الوحشية. السبب: التاجر الأفغاني ضاعت منه حمولة حبوب قيمتها خمسة آلاف دولار (أي حوالي أربعة ملايين سنتم!!!) ضياع 4 ملايين من شيخ يملك الملايير المتعددة!

الجريمة ارتكبت منذ عدة سنوات ولم تحرك السلطات الإماراتية ساكنا، لأن مرتكب الأفعال من الأسرة الحاكمة. وحين قدم الأخوان النابلسي، وهما أمريكيان من أصل لبناني، كانا شريكين للشيخ عيسى قبل أن يختلفا, قدما الشريط إلى الإعلام الأمريكي, وخلق الموضوع ضجة, اضطرت الدولة الإماراتية لفتح تحقيق في الموضوع وتقديم المتهم إلى المحاكمة. المحاكمة التي انتهت بالحكم ببراءة الشيخ عيسى بن زيد آل نهيان من كل التهم الموجهة إليه!

المحكمة صدقت أن المتهم كان تحت تأثير دواء (مخدرات) أخرجت الشيخ عن وعيه! كيف لا تصدقه المحكمة وهو أخ رئيس الإمارات العربية المتحدة، بينما الضحية "مجرد أفغاني" مثله مثل 80 % من سكان الإمارات: أجانب!

هناك لا قيمة للعامل الأجنبي بالمطلق، رغم أن أربعة أخماس سكان الإمارات هم أجانب. ولا قيمة للمواطن إذا لم يكن من الأسرة الحاكمة.

هذه هي البشاعة: أبراج, وجزر اصطناعية, وتزحلق على الثلج داخل الصحراء, وحدائق وفنادق تحت البحر, وبذخ وتسوق وتجارة وبورصة ومدن إعلامية وآخر ما أنتجه العلم, ثروات وبترول, وإلى جانب كل ذلك ظلم وقهر, وحرمان, وغياب القوانين, واحتقار لحقوق الإنسان, وعلاقات بين تعود إلى القرون الوسطى. كيف تستطيع دولة أن تجاري بل تسابق آخر الاكتشافات والابتكارات وتجمع في نفس الوقت كل دلك مع عقلية هي أقرب للعبودية منها لعقلية القرن الواحد والعشرين؟

حين تابعت افتتاح أعلى برج في العالم بدبي، كنت أستعرض شريط الفيديو المعلوم, وديون الإمارة, واقتصادها المتأرجح. ليس الاقتصاد المبني على المضاربة وحده من سيقضي على مستقبل الإمارات, ولكن غياب القوانين والمؤسسات التي تردع تصرفات مثل ما قام به الشيخ عيسى بن زايد آل نهيان.

الدكتورالطيب حمضي
12 janvier 2010

التلقيح: اليوم قبل الغد

منذ أسابيع، انطلقت عملية التلقيح ضد أنفلونزا H1N1 بالمغرب. استفاد منها أولا العاملون بالقطاع الصحي العام والخاص. وانطلقت الأسبوع الفارط عملية التلقيح لفائدة المرضى المصابين بالسكري والربو وأمراض الجهاز التنفسي والامراض المزمنة، وهدا الاسبوع الحوامل والأطفال المصابون بأمراض مزمنة. وستتلوها الفئات الأخرى حسب الكميات التي يتوصل بها المغرب من مجموع الطلبيات التي تقدم بها للتزود باللقاح.
عملية التلقيح التي انطلقت عالميا منذ أزيد من شهرين واستفاد منها الملايين من الناس، سواء في أمريكا أو أوروبا أو آسيا، هي أهم سلاح بل السلاح "الفتاك" ضد المرض وضد الوباء، بجانب الاحتياطات الأخرى، وأهمها غسل اليدين بالماء والصابون بشكل متكرر.
كل التقييمات الأولية لعملية التلقيح جاءت مطابقة لتوقعات الخبراء والتطميمات لمنظمة الصحة العالمية.
حتى التقييمات الأولية للوباء جاءت مطابقة لتوقعات الخبراء من كون الجائحة لن تكون خطيرة. فآخر دراسة بريطانية -نشرت قبل يومين - خلصت إلى أن عدد الوفيات بأنفلونزا الخنازير أقل من حيث النسبة من الأنفلونزا الموسمية. لكن الفرق بينهما أن الموسمية تصيب عددا محدودا من الناس، بينما أنفلونزاH1N1 تصيب أعدادا مضاعفة بسبب غياب المناعة ضدها. الفرق الثاني أن الموسمية تقتل خصيصا أصحاب الأمراض المزمنة وكبار السن، بينما الأنفلونزا الوبائية تقتل حتى الشباب صغار السن الذين لا يعانون من أي مرض.
في المغرب، أعداد الوفيات المؤكدة بسبب H1N1 في ارتفاع، ناهيك عن الوفيات التي لا يبلغ عنها.
وسيكون من الخطأ أن يحرم الإنسان نفسه من وسيلة حماية أساسية ضد المرض متوفرة لديه بفضل العلم ونعني بدلك التلقيح، ويترك نفسه عرضة للمرض ويعرض معه حياة أحبائه وعائلته للخطر.
في فرنسا، حيث كان هناك لعدة أسابيع نقاش عقيم وفارغ حول التلقيح وخطورة مزعومة لهذا التلقيح، بقيت مراكز التلقيح شبة فارغة لمدة ثلاثة أسابيع تقريبا، قبل أن يكتشف الناس أنهم يعرضون حياتهم وصحتهم للخطر، بسبب إشاعات فارغة. اليوم، تعرف تلك المراكز نفسها اكتظاظا يشتكي منه الفرنسيون ويطالبون بفتح مراكز أكثر ولمدة زمنية أطول.
المسؤولية تقتضي اليوم القول إن التلقيح ضد المرض هو واجب للفرد حفاظا على صحته وصحة المحيطين به. ويبدو أن المغاربة فهموا الرسالة بشكل صحيح. فقد لاحظنا إقبالا مهما على التلقيح من طرف المصابين بداء السكري والربو. وكلما اقترحنا على مرضانا التلقيح، فإن الاستجابة تكون تلقائية، بل إن أعدادا مهمة تزور تلقائيا الطبيب لأخذ الشهادة التي تخول لهم التلقيح، عكس بعض الأوساط التي تعاملت مع الإشاعة عوض العلم، ومنهم للأسف بعض الأطباء.
أن لا يحبذ طبيب ما أن يلقح نفسه، هذا أمر يهمه شريطة أن لا يتعامل مع مرضى من ذوي الأمراض أو الحالات التي تهلكها أنفلونزا H1N1، كالسكري والربو والحوامل والمواليد الجدد وأمراض المناعة ودلك حتى لاينقل لهم العدوى من حيث لاريد. لكن أن يقول طبيب لمريض ألا يلقح نفسه، فهذا خطأ مهني وأخلاقي جسيم، لأن القانون يفرض على الطبيب أن يقدم لمرضاه علاجا طبقا لآخر ما يتوصل إليه العلم. وآخر ما توصل إليه العلم والدراسات بخصوص أنفلونزا H1N1بإجماع الخبراء عبر العالم أن اللقاح ضد المرض هو أحسن وقاية وأكثر أمانا بنسبة لا تقل عن المليون على واحد مقارنة بالمرض. لذلك، ندعو الأطباء المغاربة إلى القيام بواجبهم الإنساني في تحسيس مرضاهم والمحيطين بهم للاستفادة من اللقاح، اليوم وقبل الغد.
سؤال فد يتبادر الى دهن بعض القراء، هنا جوابه: كنت من أول الدين استفادوا من التلقيح.
د. الطيب حمضي
28 decembre 2009

التلقيح: اليوم قبل الغد

منذ أسابيع، انطلقت عملية التلقيح ضد أنفلونزا H1N1 بالمغرب. استفاد منها أولا العاملون بالقطاع الصحي العام والخاص. وانطلقت الأسبوع الفارط عملية التلقيح لفائدة المرضى المصابين بالسكري والربو وأمراض الجهاز التنفسي والامراض المزمنة، وهدا الاسبوع الحوامل والأطفال المصابون بأمراض مزمنة. وستتلوها الفئات الأخرى حسب الكميات التي يتوصل بها المغرب من مجموع الطلبيات التي تقدم بها للتزود باللقاح.

عملية التلقيح التي انطلقت عالميا منذ أزيد من شهرين واستفاد منها الملايين من الناس، سواء في أمريكا أو أوروبا أو آسيا، هي أهم سلاح بل السلاح "الفتاك" ضد المرض وضد الوباء، بجانب الاحتياطات الأخرى، وأهمها غسل اليدين بالماء والصابون بشكل متكرر.

كل التقييمات الأولية لعملية التلقيح جاءت مطابقة لتوقعات الخبراء والتطميمات لمنظمة الصحة العالمية.

حتى التقييمات الأولية للوباء جاءت مطابقة لتوقعات الخبراء من كون الجائحة لن تكون خطيرة. فآخر دراسة بريطانية -نشرت قبل يومين - خلصت إلى أن عدد الوفيات بأنفلونزا الخنازير أقل من حيث النسبة من الأنفلونزا الموسمية. لكن الفرق بينهما أن الموسمية تصيب عددا محدودا من الناس، بينما أنفلونزاH1N1 تصيب أعدادا مضاعفة بسبب غياب المناعة ضدها. الفرق الثاني أن الموسمية تقتل خصيصا أصحاب الأمراض المزمنة وكبار السن، بينما الأنفلونزا الوبائية تقتل حتى الشباب صغار السن الذين لا يعانون من أي مرض.

في المغرب، أعداد الوفيات المؤكدة بسبب H1N1 في ارتفاع، ناهيك عن الوفيات التي لا يبلغ عنها.

وسيكون من الخطأ أن يحرم الإنسان نفسه من وسيلة حماية أساسية ضد المرض متوفرة لديه بفضل العلم ونعني بدلك التلقيح، ويترك نفسه عرضة للمرض ويعرض معه حياة أحبائه وعائلته للخطر.

في فرنسا، حيث كان هناك لعدة أسابيع نقاش عقيم وفارغ حول التلقيح وخطورة مزعومة لهذا التلقيح، بقيت مراكز التلقيح شبة فارغة لمدة ثلاثة أسابيع تقريبا، قبل أن يكتشف الناس أنهم يعرضون حياتهم وصحتهم للخطر، بسبب إشاعات فارغة. اليوم، تعرف تلك المراكز نفسها اكتظاظا يشتكي منه الفرنسيون ويطالبون بفتح مراكز أكثر ولمدة زمنية أطول.

المسؤولية تقتضي اليوم القول إن التلقيح ضد المرض هو واجب للفرد حفاظا على صحته وصحة المحيطين به. ويبدو أن المغاربة فهموا الرسالة بشكل صحيح. فقد لاحظنا إقبالا مهما على التلقيح من طرف المصابين بداء السكري والربو. وكلما اقترحنا على مرضانا التلقيح، فإن الاستجابة تكون تلقائية، بل إن أعدادا مهمة تزور تلقائيا الطبيب لأخذ الشهادة التي تخول لهم التلقيح، عكس بعض الأوساط التي تعاملت مع الإشاعة عوض العلم، ومنهم للأسف بعض الأطباء.

أن لا يحبذ طبيب ما أن يلقح نفسه، هذا أمر يهمه شريطة أن لا يتعامل مع مرضى من ذوي الأمراض أو الحالات التي تهلكها أنفلونزا H1N1، كالسكري والربو والحوامل والمواليد الجدد وأمراض المناعة ودلك حتى لاينقل لهم العدوى من حيث لاريد. لكن أن يقول طبيب لمريض ألا يلقح نفسه، فهذا خطأ مهني وأخلاقي جسيم، لأن القانون يفرض على الطبيب أن يقدم لمرضاه علاجا طبقا لآخر ما يتوصل إليه العلم. وآخر ما توصل إليه العلم والدراسات بخصوص أنفلونزا H1N1بإجماع الخبراء عبر العالم أن اللقاح ضد المرض هو أحسن وقاية وأكثر أمانا بنسبة لا تقل عن المليون على واحد مقارنة بالمرض. لذلك، ندعو الأطباء المغاربة إلى القيام بواجبهم الإنساني في تحسيس مرضاهم والمحيطين بهم للاستفادة من اللقاح، اليوم وقبل الغد.

سؤال فد يتبادر الى دهن بعض القراء، هنا جوابه: كنت من أول الدين استفادوا من التلقيح

16 décembre 2009

د الطيب حمضي

clés

الطيب حمضي . المغرب . العالم العربي . الديمقراطية . العدالة . المواطنة .المشاركة . الواقع السياسي . حقوق الإنسان. التنمية. الإرهاب. الأحزاب. العلاقات الدولية. المغرب العربي. الدبلوماسية. Tayeb Hamdi