خلال مراجعة الدستور لسنة 1996 والتحضير لحكومة التناوب لسنة 1998، كان موقفي الشخصي معارضا لموقف حزبي آنذاك (الاتحاد الاشتراكي)، حيث كنت مع مجموعة من المناضلين، نعتقد وقتها أن الفرصة كانت مواتية لمناقشة إصلاحات دستورية حقيقية تؤسس لانتقال ديمقراطي. ولنتذكر أننا وقتها كنا تحت حكم ملك لم يكن من طبعه وطبيعته تفويض أو القضم من سلطاته بدون تحرك وتململ في موازين القوى. وقتها كنا نظن أن نهاية الحرب الباردة، والظروف الصحية للملك، والأزمة المتفاقمة بالمغرب، عناصر من شأنها دفع الملك إلى القبول بإصلاحات حقيقية. ما وقع أن المعارضة انخرطت في المشروع بدون قيد ولا شرط، معتقدة أن التناوب نفسه سيشكل دافعة قوية لمسلسل الإصلاحات.
اليوم، ربما لا تختلف التقييمات كثيرا بين مختلف الفرقاء، وهذا ليس موضوعي.
التناوب إرادة الحسن الثاني حتى لا يترك لخلفه تركة معقدة عاشها هو لمدة 40 سنة، وأراده لتنقية الأجواء. أمام استبدال الحكم بشكل طبيعي ولحسم النزاع حول المشروعية. وهذا ما حصل. والتناوب أرادته أحزاب المعارضة كخطوة ستمكنها من تحقيق مكتسبات وإصلاحات اقتصادية واجتماعية وسياسية ملموسة تسمح لها بتقوية عودها وارتباطها بالجماهير، ومن ثمة ململة ميزان القوى لصالحها، فهذه الإصلاحات الصغرى ستؤدي بالضرورة إلى الإصلاحات الكبرى مع الملك أو مع الشعب، أي بتوافق مع الملك أو بضغط من جانب الشعب الذي سيرتبط أكثر فأكثر بهذه الأحزاب بعدما يلمس تغيرا في حياته مع حكم المعارضة. وهذا ما لم يحصل.
هناك الآن تناوبان: الذي أراده الملك والذي أرادته أحزاب المعارضة. ونعت بالتوافقي، لأنه ليس نتيجة لصناديق الاقتراع والتحالفات الطبيعية، بل نتيجة لإرادة الملك أحسن تدبيرها راحل آخر هو إدريس البصري.
أما الجانب الثالث من التناوب، فهي الدروس التي استخلصناها من التناوب. شخصيا إذا عادت الأحداث عشر سنوات للوراء سأكون ضمن الذين يدعون للقبول به. ليس لكونه أنجز إصلاحات أو غير مجرى تاريخ المغرب، ولكن ببساطة، لأنه مكننا كفاعلين سياسيين من إعادة النظر في المسلمات التي كنا نؤمن بها.
أولا، اكتشفنا أنه ليس كل من هو معارض لنظام غير ديمقراطي فهو ديمقراطي بالضرورة، واكتشفنا أنه ليس كل من يناضل من أجل الديمقراطية هو ديمقراطي، أو أنه سيظل كذلك وهو في كرسي المسؤولية.
واكشتفنا كم من الفاشسيت -نعم الفاشيون- كانوا بيننا في جلابيب ديمقراطية. راجعوا صحف المعارضة، حين انتقلت إلى الحكم، كيف كتبت عن المضايقين لها، وكيف كممت أفواه الصحافة.
واكتشفنا كم من السهل أن يكون الإنسان ديمقراطيا ونزيها حين لا يكون هناك ما يمكن أن «يهرف عليه». واكتشفنا أن من ننعتهم باليمين والأحزاب الإدارية كانوا في الكثير من الأحيان أكثر تفتحا وتفهما وتحليا بالروح الرياضية من الأحزاب الوطنية والديمقراطية.
واكتشفنا أن أسهل شيء في ما يخص قضايا التدبير هو أن يكون الإنسان معارضا وأن أصعب شيء هو أن يتحمل المسؤولية. وهذا سمح للأحزاب وأطرها من عقلنة خطابها وشعاراتها.
هذه بعض من دروس التناوب، وهي ليست بسيطة، وهذه الدروس والاكتشافات هي التي حركت البرك الآسنة داخل الأحزاب. بهذا المعنى، التناوب أدى وظيفة أساسية في إنضاج العمل الحزبي والسياسي بالمغرب وجعله أكثر حرفية وترشيدا. هذه ليست دروس إحباط، بل العكس دروس إعادة البناء. دروس جعلتنا نكتشف حقيقة أنفسنا، ونرى الأمور نسبية ونراجع الحقائق المطلقة التي كنا نؤمن بها، ونقدر من يخالفنا، ونحترم اختياراته، ونكتشف أن العالم ليس ملائكة، هم نحن، وشياطين، هم الآخرون.
21 مارس 2008
الطيب حمضي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق